أعربت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) عن قلقها البالغ وأسفها الشديد إزاء المأساة التي وقعت في المياه بين السواحل التركية وجزيرتي ليسبوس وساموس اليونانيتين في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، والتي أوقعت ضحايا ومفقودين بين لاجئين فلسطينيين من لبنان وسوريا، بينهم عدد من أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان.
وقالت المؤسسة، في بيان، إن اتصالاتها ومتابعاتها مع ذوي الضحايا أظهرت أن أحد الضحايا غادر لبنان إلى تركيا بصورة نظامية، قبل أن يستقل قاربًا متجهًا إلى اليونان، بعدما دفع نحو 9 آلاف دولار أميركي، قبل أن ينقطع الاتصال به في الليلة نفسها، فيما وصلت إلى عائلته في اليوم التالي صور من المستشفى.
وأفادت «شاهد» بأن المعطيات الموثقة حتى إعداد بيانها تشير إلى تأكيد وفاة أربعة من أبناء المخيمات الفلسطينية، هم سامي الطيار (54 عامًا) ومحمد فخري مبدي (45 عامًا)، وكلاهما من مخيم نهر البارد، إضافة إلى أحمد فاعور (25 عامًا) من منطقة تعلبايا، وعلاء النابلسي (21 عامًا) من أبناء مخيم البص، وفقدان آخرين، في حين تم تأكيد نجاة ثلاثة أشخاص من أبناء مخيمي نهر البارد والبص.
وأضافت المؤسسة أن إفادات رسمية، نقلًا عن مديرية خفر السواحل اليونانية، تحدثت عن العثور على خمسة جثامين تعود لمواطنين فلسطينيين، أربعة منها قرب جزيرة ليسبوس وواحدة قرب جزيرة ساموس، من بين جثامين لم تكن هويات أصحابها قد حُسمت بعد.
رواية عن صدم القارب
وتوقفت «شاهد» عند إفادة أحد الناجين من القارب، الذي قال إن زورقًا تابعًا لخفر السواحل اليوناني تعمّد صدم القارب الذي كان يقل المهاجرين، بهدف إغراقه.
وأكدت المؤسسة أن هذه الرواية، في حال ثبوت صحتها، تمثل واقعة بالغة الخطورة قد ترقى إلى جريمة قتل متعمدة، مطالبة بفتح تحقيق دولي عاجل ومستقل لكشف ملابسات الحادث ومحاسبة أي مسؤول تثبت مشاركته أو تورطه فيه.
وشددت «شاهد» على أن الحصيلة النهائية للضحايا والمفقودين لا تزال غير مكتملة، في ظل عدم صدور بيانات يونانية رسمية مفصلة تتضمن الهويات الكاملة لجميع من كانوا على متن القوارب.
البطالة والفقر يدفعان الشباب إلى «قوارب الموت»
وربطت المؤسسة تكرار هذه المآسي بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات لبنان، مؤكدة أن الهجرة عبر طرق خطرة ليست خيارًا ترفيهيًا أو رفاهيًا، وإنما نتيجة مباشرة لتدهور الظروف المعيشية وانسداد الأفق أمام الشباب.
وأشارت إلى أن البطالة تمثل أحد أبرز دوافع الهجرة، خصوصًا بين الشباب والخريجين وحملة الشهادات المهنية والأكاديمية، في ظل محدودية فرص العمل واضطرار كثيرين إلى العمل في مهن هامشية وبأجور متدنية.
وبحسب مسح اجتماعي واقتصادي أجرته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» مطلع عام 2023، وفق ما أوردته «شاهد»، يعيش 83% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت خط الفقر، فيما تبلغ البطالة بينهم 32% مقابل 11% على المستوى الوطني، بينما يعتمد نحو 70% من سكان المخيمات على المساعدات النقدية للأونروا كمصدر رئيسي للدخل.
وقالت المؤسسة إن تراجع خدمات «الأونروا» وتقليصها، بالتزامن مع ضعف الدعم الدولي، أسهما في تحويل المخيمات إلى بيئة طاردة للشباب والأسر، ودفعا بعضهم إلى المخاطرة بحياتهم بحثًا عن فرص أفضل و«الكرامة المفقودة».
وأكدت أن التحذيرات من الهجرة غير النظامية، رغم أهميتها، لن تكون كافية ما لم تتم معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع اللاجئين الفلسطينيين إلى ركوب البحر.
«شاهد» تطالب بتحمل المسؤوليات
وحملت المؤسسة الدولة اللبنانية جانبًا من المسؤولية، معتبرة أن استمرار حرمان اللاجئين الفلسطينيين من حقوق مدنية واجتماعية وإنسانية أساسية، وفي مقدمتها الحق في العمل والتملك، يفاقم أوضاعهم المعيشية ويدفع بعض الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج لبنان، ولو عبر طرق محفوفة بالموت.
وطالبت «شاهد» باستجابة عاجلة تحفظ كرامة الضحايا وذويهم، داعية إلى تسريع إجراءات إصدار شهادات الوفاة ونقل جثامين الضحايا إلى ذويهم، وتأمين التكاليف اللوجستية والمادية اللازمة دون تحميل العائلات أعباء إضافية.
وأكدت المؤسسة في ختام بيانها أنها تحتفظ بالبيانات والتوثيقات والمصادر المتعلقة بالحادثة، وأنها مستعدة لإبرازها عند الضرورة، في وقت لا تزال فيه ملابسات الحادث والحصيلة النهائية للضحايا والمفقودين بحاجة إلى مزيد من التحقق والتحقيق.