فاديا منصور – شمال لبنان
لم تعد الهجرة عبر البحر بالنسبة إلى كثير من الشباب الفلسطيني في مخيم نهر البارد شمال لبنان مجرد فكرة بعيدة، بل باتت خياراً يفرض نفسه أمام واقع معيشي يزداد صعوبة، وفرص عمل محدودة، وعجز عن تأمين أبسط الاحتياجات اليومية. ومع تكرار مآسي مراكب الموت، تتجدد الأسئلة حول الأسباب التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل، ومسؤولية الجهات المعنية في توفير مقومات البقاء.
واقع معيشي يدفع نحو الهجرة
تتقلص الخيارات أمام الشباب الفلسطيني في مخيم نهر البارد مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وغياب فرص العمل، فيما يشكّل تأمين الاحتياجات الأساسية عبئاً متزايداً على كثير من العائلات، ما يدفع بعض الشباب إلى التفكير بالهجرة بحثاً عن ظروف معيشية أكثر استقراراً.
ويقول بشار النصار إن تدهور الأوضاع المعيشية لم يعد يقتصر على فئة عمرية محددة، بل يشمل الشباب وكبار السن، مشيراً إلى أن الجميع يسعى إلى تحسين ظروف حياته، والتمكن من التنقل بين لبنان والخارج، في ظل الضغوط التي تفرضها الحياة اليومية.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الشباب وحدهم، بل تمتد إلى الأطفال الذين يلمسون، رغم صغر سنهم، انعكاسات الفقر على تفاصيل حياتهم اليومية.
وتعبّر الطفلة تسنيم الجندي عن هذا الواقع من خلال حديثها عن صعوبة تأمين الطعام لبعض الأطفال، معتبرة أن العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية يدفع الناس إلى المخاطرة بحياتهم عبر السفر في السفن والمراكب، بحثاً عن ظروف أفضل.
غياب مقومات البقاء وتراجع الخدمات
لا تنفصل ظاهرة الهجرة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، في ظل تراجع الخدمات الأساسية، وازدياد الأعباء المعيشية، ومحدودية فرص العمل، وهي عوامل تجعل بناء مستقبل مستقر داخل المخيمات أكثر صعوبة.
ويحمّل الأستاذ ماهر طوية ثلاثة أطراف مسؤولية تفاقم حالة اليأس التي تدفع الشباب إلى الهجرة، تتمثل في القيادة الفلسطينية والفصائل، ولا سيما منظمة التحرير الفلسطينية، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” على خلفية تراجع خدماتها، إضافة إلى الدولة اللبنانية وما وصفه بالتضييق على الحقوق المدنية للاجئين.
ويرى طوية أن تضافر هذه العوامل يزيد من صعوبة الأوضاع المعيشية، ويدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في البحر بحثاً عن مخرج من واقعهم.
من جهته، يعتبر عبد الكريم الطيار أن الشباب وصلوا إلى مرحلة بالغة الصعوبة، في ظل غياب فرص العمل والعجز عن تأمين الطعام، لافتاً إلى أن شعور اللاجئ بالتهميش وغياب الجهات التي تتابع معاناته يعززان رغبته في مغادرة المخيم، حتى لو كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر.
مطالب بتحرك جدي لمعالجة أسباب الهجرة
مع تكرار حوادث الهجرة، تتصاعد المطالب بتحرك جدي لمعالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى ركوب مراكب الموت، بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع نتائجها بعد وقوع المآسي.
ويوجّه زاهر الجندي رسالة إلى المرجعيات والقيادات الفلسطينية التي تزور المخيمات، داعياً إياها إلى الاقتراب من واقع الأهالي، والدخول إلى الأزقة والبيوت التي تعاني الفقر، حيث تعجز عائلات عن شراء الدواء وتأمين الإيجارات والاحتياجات اليومية.
ويشدد الجندي على ضرورة الحضور الفعلي على الأرض، ومتابعة أوضاع اللاجئين بصورة جدية، محذراً من أن تكرار حوادث الغرق لا يعني انتهاء ظاهرة الهجرة، بل يثير مخاوف من تجددها ما دامت الظروف التي تدفع الشباب إليها مستمرة.
بدوره، يشير الشاب الشيخ علاء إلى أن سوء الأوضاع المعيشية وضيق الحال يدفعان الشباب إلى الهجرة، لا بحثاً عن العمل فحسب، بل سعياً أيضاً إلى تأسيس حياة مستقرة والزواج وبناء مستقبل تتوافر فيه مقومات العيش الكريم، وهي أهداف يصعب تحقيقها في ظل واقعهم الحالي داخل المخيمات.إن
من مخيم نهر البارد، تعكس مراكب الموت أزمة تتجاوز مخاطر الرحلة البحرية، لتكشف عن واقع معيشي يضيّق خيارات الشباب الفلسطيني ويحدّ من قدرتهم على بناء مستقبل مستقر. وبين غياب فرص العمل وتراجع الخدمات وتزايد الأعباء اليومية، تبقى معالجة أسباب الهجرة مسؤولية تتطلب خطوات فعلية من الجهات المعنية، تضمن للاجئين مقومات العيش الكريم، وتمنح الشباب فرصة لبناء مستقبلهم داخل المخيمات، بدلاً من المخاطرة بحياتهم بحثاً عن فرصة خارجها.