| |

ما الذي سيتغير في الضفة الغربية بعد الانتخابات الإسرائيلية؟

الكاتبسامر مناع - المدن

يدخل الحصار الإسرائيلي المفروض على مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، يومه الخامس على التوالي مع استمرار إغلاق مداخلها وتشديد القيود على حركة سكانها، فيما أُجبر نحو 3971 فلسطينيًا على ترك منازلهم؛ عقب عملية إطلاق النار التي وقعت يوم الجمعة الماضي وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين. وجاءت هذه التطورات في ظل انتخابات الكنيست التي جرت الثلاثاء، بعدما هدد بنيامين نتنياهو بتطبيق النموذج العسكري الذي استخدمته إسرائيل في مخيمات شمال الضفة الغربية على أحياء بالخليل، بما يشمل إخلاء السكان وهدم المنازل مع التلويح بتوسيع العمليات إلى مدن فلسطينية أخرى.

ولا تتوقف أهمية ما يجري في الخليل عند توقيته الانتخابي؛ إذ يقدم صورة عن مستقبل الضفة الغربية في ظل السياسات التي راكمتها إسرائيل خلال السنوات الماضية، ويطرح سؤالًا عما يمكن أن يتغير بعد الانتخابات. فالمنافسة بين الأحزاب الصهيونية الرئيسية تكشف عن تقارب واسع بشأن استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، مقابل اختلافات تتعلق بحدود الضم والتوسع الاستيطاني ومستقبل السلطة الفلسطينية. ومن هنا، فإن تغيير الحكومة قد ينعكس على طريقة إدارة الضفة وسرعة تنفيذ بعض المشاريع، من دون أن يقود بالضرورة إلى تغيير في الأسس التي تقوم عليها السيطرة الإسرائيلية.

وقد كشف الخلاف بين القيادة العسكرية والمستوى السياسي بشأن استمرار العملية في الخليل عن جانب من هذه المسألة؛ فبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أوصى رئيس الأركان إيال زامير بإنهائها بعدما استنفدت أهدافها المباشرة، بينما رفض نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس توصيته وطالبا بمواصلتها. ورغم أن هذا الخلاف لا يثبت وجود دوافع انتخابية وراء قرار الاستمرار؛ إلا أنه يكشف كيف يمكن أن تتجاوز العملية العسكرية أهدافها الأولية عندما يقرر المستوى السياسي مواصلتها.

وتكتسب هذه المسألة دلالة إضافية بالنظر إلى تصريحات نتنياهو من موقع العملية، حين ربط بين هدم ما تسميه إسرائيل “البنية التحتية المسلحة” وتعزيز البنية التحتية الاستيطانية، متعهدًا بتوسيع البناء في المستوطنات. ويشير هذا الربط إلى تصور تتداخل فيه العمليات العسكرية مع إعادة تنظيم السيطرة على الأرض والطرق المحيطة بالمستوطنات، وهو ما يجعل السؤال حول ما يجري في الخليل متصلًا بالسياسات التي قد تتبناها الحكومة المقبلة تجاه الضفة الغربية بأكملها.

خلاف على إدارة السيطرة

توضح البرامج التي طرحتها الأحزاب الإسرائيلية خلال الحملة الانتخابية أن الخلاف بين نتنياهو وخصومه يتجاوز مسألة القيادة السياسية إلى كيفية إدارة الأرض الفلسطينية والسكان الذين يعيشون عليها. فبين الدعوة إلى الضم الكامل، والحفاظ على السيطرة الأمنية من دون تحمل المسؤولية المدنية المباشرة، وإعادة تنظيم المؤسسات الفلسطينية، تتنافس تصورات مختلفة تشترك قوى رئيسية منها في رفض إقامة دولة فلسطينية، لكنها تختلف بشأن الترتيبات التي تريد فرضها.

ويقدم أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، مثالًا واضحًا على ذلك، إذ طرح برنامجًا يدعو إلى تفكيك السلطة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو وضم المناطق المصنفة “ج” مع الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية الإسرائيلية على كامل الضفة. ويقترح إسناد إدارة الحياة اليومية للفلسطينيين في المنطقتين “أ” و”ب” إلى الأردن ضمن إطار كونفدرالي. ويعكس ذلك اتجاهًا داخل المعارضة الإسرائيلية يرى أن استمرار السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية لا يخدم التصور الأمني الذي يتبناه.

بينما يفضل غادي آيزنكوت، رئيس حزب “يشار”، الإبقاء على ترتيبات تضمن السيطرة الأمنية الإسرائيلية وتعزيز الكتل الاستيطانية مع تجنب الضم الشامل الذي قد يجعل إسرائيل مسؤولة عن إدارة الحياة المدنية لملايين الفلسطينيين. ويؤيد إقامة مستوطنات جديدة وفق المعايير القانونية والأمنية الإسرائيلية، وفحص أوضاع البؤر الاستيطانية غير المرخصة وفق “القانون الإسرائيلي” بصورة منفصلة. ويعكس هذا الموقف تصورًا يفضي إلى السعي نحو الفصل بين المستوطنين والفلسطينيين مع استمرار السيطرة العسكرية في المناطق الفلسطينية والتوسع الاستيطاني ضمن الحدود التي تقررها الحكومة.

وفي المقابل، يدفع بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير باتجاه فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، إذ جعل سموتريتش توسيع الاستيطان ونقل الصلاحيات الإدارية إلى المؤسسات المدنية الإسرائيلية جزءًا أساسيًا من مشروعه السياسي، فيما يدعو بن غفير إلى تفكيك السلطة الفلسطينية وتجريدها من سلاحها وممتلكاتها، وتشجيع ما يسميه “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين. ويكتسب هذا الطرح دلالة خاصة في ظل ما تشهده الضفة الغربية من تهجير قسري داخلي طال تجمعات فلسطينية عديدة، ولا سيما التجمعات البدوية والرعوية، نتيجة اعتداءات المستوطنين وتقييد الوصول إلى الأراضي والمراعي ومصادر المياه. وهو واقع يكشف أن إفراغ بعض المناطق من سكانها يجري بالفعل، حتى وإن اختلفت آلياته عن مشروع الهجرة الذي يطرحه بن غفير في حملته الانتخابية.

وتختلف هذه الطروحات عن مقاربة آيزنكوت في استعدادها لتغيير الوضع القانوني والإداري للضفة بصورة مباشرة، لكنها تلتقي معها في أولوية استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية.

وفي المقابل، تدعو قوى مثل حزب “الديمقراطيين” الذي يعرف نفسه بأنه بقايا اليسار الصهيوني إلى وقف مسار الضم وإخلاء البؤر الاستيطانية العشوائية التي تشكل مراكز احتكاك مع الفلسطينيين، مع المحافظة على حرية العمل المطلقة للجيش الإسرائيلي.

وتكشف المقارنة بين هذه المواقف عن مسألة أعمق من الاختلاف حول الاستيطان وحده، تتعلق بكيفية الجمع بين الاحتفاظ بالأرض ورفض تحمل المسؤولية السياسية والمدنية الكاملة عن الفلسطينيين، ولكن هذه اختلافات لا تعكس بالضرورة استعدادًا لإعادة النظر في استمرار السيطرة الإسرائيلية نفسها.

الخليل نموذجًا

تتضح حدود التغيير المحتمل عند النظر إلى حجم السياسات التي نفذتها إسرائيل بالفعل، إذ أظهر تقرير الاتحاد الأوروبي لعام 2025 موافقتها على إقامة 54 مستوطنة رسمية جديدة، إلى جانب إنشاء 86 بؤرة استيطانية، وتقدم مخططات تضم نحو 28 ألف وحدة سكنية، لم تدخل جميعها مرحلة التنفيذ. وتستند هذه الإجراءات إلى قرارات حكومية وتخطيطية وإدارية تراكمت خلال السنوات الماضية، بما يسمح باستمرار التوسع الاستيطاني دون الحاجة إلى إعلان الضم رسميًا. ولذلك قد تختلف الحكومة المقبلة في وتيرة تنفيذ هذه المشاريع أو التعامل مع بعض البؤر، لكن تغيير الائتلاف لا يلغي القرارات القائمة أو نتائجها بصورة تلقائية.

وتقدم الخليل مثالًا على الكيفية التي تنعكس بها السيطرة العسكرية والإدارية على حياة الفلسطينيين. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وجود 101 عائق أمام الحركة في المنطقة المعروفة باسم “H2” وحدها، ضمن 925 عائقًا في الضفة الغربية حتى نهاية عام 2025. ورغم اختلاف هذه المنطقة عن الأحياء التي تشهد العملية الحالية، فإن تجربتها توضح كيف تستطيع إسرائيل تحويل القيود على الحركة إلى ترتيبات تستمر سنوات، وتتحكم من خلالها في وصول السكان إلى منازلهم وأعمالهم وخدماتهم. وإذا استمرت إجراءات الإغلاق والإخلاء الحالية بعد انتهاء العملية، فقد تتوسع هذه المنظومة إلى مناطق إضافية داخل المدينة.

وتتجاوز آثار هذه الإجراءات حرية الحركة، إذ يؤثر إغلاق الطرق وتقييد استخدام الأراضي المحيطة بالمستوطنات في الترابط الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، بينما يمنح توسيع صلاحيات التخطيط والبناء للمؤسسات الإسرائيلية قدرة أكبر على تحديد استخدام الأرض، خصوصًا في المناطق “ج”. وقد تختلف الحكومة المقبلة في استعدادها لإعلان الضم رسميًا، لكنها تستطيع مواصلة هذه السياسات من دون اتخاذ قرار جديد بشأن السيادة. وهنا يظهر الفارق بين تغيير الوضع القانوني للأرض واستمرار السيطرة الفعلية عليها، وهي مسألة ستكون لها آثار مباشرة على الفلسطينيين بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة.

وينطبق الأمر على مستقبل السلطة الفلسطينية، إذ تتراوح مواقف الأحزاب بين الدعوة إلى تفكيكها والإبقاء على دور مدني وأمني محدود لها، مع استمرار مطالبتها بإصلاحات وفق الشروط الإسرائيلية. وقد يؤدي تغيير الحكومة إلى تعديل العلاقة مع السلطة أو مراجعة بعض القيود المفروضة عليها، لكنه لن يضمن توسيع صلاحياتها ما دامت إسرائيل تحتفظ بالقدرة على التدخل العسكري والتحكم في الحركة والموارد. ولذلك فإن مستقبل السلطة يرتبط بطبيعة السيطرة الإسرائيلية على الضفة بقدر ارتباطه بمواقف الأحزاب من بقائها أو تفكيكها.

ومن هذه الزاوية، تقدم الخليل اختبارًا لما قد تحمله المرحلة المقبلة، إذ ستظهر دلالات السياسة الإسرائيلية في السماح بعودة السكان إلى منازلهم وإعادة فتح الطرق وإنهاء الإجراءات التي فرضتها العملية العسكرية، أو الإبقاء على بعضها وتحويلها إلى وقائع دائمة. وقد تقود الانتخابات إلى تغيير الحكومة أو إعادة توزيع النفوذ بين الأحزاب، بما ينعكس على وتيرة الاستيطان وحدود الضم والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغييرًا في الأسس التي تحكم السياسة الإسرائيلية تجاه الضفة. وعلى هذا الأساس، فإن أي تغيير محتمل سيبقى على الأرجح في هوامش هذه السياسة وأدوات تنفيذها.

موضوعات ذات صلة