يبدو أن العالم العاجز لم يعد يكتفي بترك الفلسطيني، بعد أربعة أجيال من اللجوء، وحيداً في مآسيه. بل أصبح مشغولاً بالتخلص من آخر شاهد على هذه المآسي؛ المؤسسة التي ارتبط اسمها منذ عقود بقضية اللاجئين الفلسطينيين. وبعد أن فشل خلال أكثر من سبعة عقود على النكبة في إنصاف شعب اقتُلع من أرضه، يبرز اليوم حديث عن خطة لإغلاق «الأونروا» تدريجياً ونقل مسؤولياتها إلى جهات أخرى. إنها لحظة تتجاوز مصير مؤسسة أممية شاهدة على جريمة العصر، لأنها تفتح الباب أمام تحوّل خطير في الطريقة التي يتعامل بها العالم مع قضية اللاجئين: من الاعتراف بمسؤولية دولية مستمرة إلى تقليصات مستمرة في الخدمات إلى الإعلان عن حكم بالإعدام لكل الخدمات، وكأن المشكلة تكمن في المؤسسة التي ترعى اللاجئين، لا في الجريمة بحد ذاتها.
بحسب ما نشرته عدة صحف ومواقع بداية تشرين الثاني الحالي، فإن المفوّض العام بالإنابة لـ«الأونروا»، كريستيان ف. سوندرز، يقود توجهاً لإغلاق الوكالة تدريجياً ونقل مسؤولياتها؛ بحيث تنتقل مهامها في الضفة الغربية إلى السلطة الفلسطينية، وفي قطاع غزة إلى «مجلس السلام»، مع التركيز على قطاعي التعليم والصحة. وتحدثت تقارير عن فجوة مالية تتراوح بين 70 و100 مليون دولار في ميزانية الوكالة للعام الحالي، وعن خطوات أولية لتنفيذ الخطة منها إقفال برامج أساسية وتسريح آلاف الموظفين، وسط اعتراض فلسطيني ودولي. وإذا صحت هذه المعطيات، فنحن أمام تحوّل سياسي ومؤسسي بالغ الخطورة، يتجاوز معالجة العجز المالي إلى إعادة صياغة الجهة التي تتحمل مسؤولية شؤون اللاجئين، وطبيعة هذه المسؤولية ومستقبلها، تمهيداً للتخلص نهائياً من قضية اللاجئين.
ولكي ندرك حجم الأزمة، تكفي العودة إلى أرقام «الأونروا» نفسها؛ ففي مؤتمر التعهدات في حزيران 2026، أعلنت الوكالة أن التعهدات المؤكدة لميزانيتها البرامجية بلغت نحو 342 مليون دولار، أي 44% من احتياجاتها، فيما لم تكن المبالغ التي وصلت فعلياً سوى 267 مليون دولار. وقدّرت الإيرادات المتوقعة بنحو 475 مليون دولار، مع فجوة تمويلية متوقعة تبلغ 275 مليون دولار. كما أعلنت أن فجوة السيولة في ميزانيتها الأساسية وصلت إلى 100 مليون دولار. إذاً، نحن أمام مستويات مختلفة من العجز والتمويل، تقود جميعها إلى نتيجة واحدة: وكالة دولية تواجه اختناقاً مالياً يهدد قدرتها على الاستمرار في أداء مهامها.
وتكشف أرقام النداءات الإنسانية حجم التراجع بصورة أكثر إيلاماً، فالتمويل المؤكد للنداء الخاص بالأراضي الفلسطينية المحتلة لم يتجاوز 4% من الاحتياجات حتى نهاية أيار الماضي، فيما لم يتجاوز التمويل المؤكد للنداء الخاص بسوريا ولبنان والأردن 20%. وهذه النسب تعني أن ملايين اللاجئين يعيشون تحت تهديد تراجع الخدمات، في مناطق تعاني أصلاً من الحروب والانهيار الاقتصادي والتهجير والفقر بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وسياسات الولايات المتحدة تجاه الفلسطينيين، وعجز المجتمع الدولي وفي مقدمه الاتحاد الأوروبي ودوله عن التفوه بـ«كلمة حق في حضرة سلطان جائر».
أما التقشف، فقد خرج من دفاتر الحسابات والموازنات العاجزة إلى حياة اللاجئين، فقد أعلن سوندرز في أيلول خفض ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20%، بالتزامن مع تخفيض رواتب معظم الموظفين المحليين. وفي غزة، تحدثت تقارير نقابية عن فصل 15 موظفاً بصورة دائمة، وإنهاء خدمات 625 موظفاً غادروا القطاع بسبب الحرب، وفصل 70 موظفاً إضافياً، إلى جانب خفض الرواتب بنسبة 20%. وهذه الأرقام ليست حبراً على ورق، فوراء كل رقم موظف وعائلة وطفل ومدرسة ومريض، ووراء كل تقليص خدمة، مساحة للعجز تتسع حرماناً في حياة اللاجئين.
وتتوالى الأسئلة التي ينبغي أن تتصدر النقاش الدولي اليوم، وبشكل يتجاوز حجم العجز: لماذا يُطلب من اللاجئين أن يدفعوا ثمن أزمة التمويل؟ ولماذا تتحول حقوقهم إلى بنود قابلة للتقليص، فيما تبقى مسؤولية المجتمع الدولي عن قضية اقتلاعهم معلقة بلا أفق؟ إن «الأونروا»، رغم كل ما يمكن مناقشته بشأن أدائها وإدارتها، تمثّل إطاراً مؤسسياً دولياً أنشأته الأمم المتحدة لخدمة اللاجئين الفلسطينيين. وإضعافها أو نقل مهامها من دون ضمانات سياسية وقانونية ومالية واضحة قد يؤدي إلى تفكيك هذا الإطار، وتحويل قضية اللاجئين إلى مجموعة ملفات خدماتية موزعة بين سلطات وجهات مختلفة، من دون مرجعية موحدة تحفظ خصوصية قضيتهم وحقوقهم.
تكشف أرقام النداءات الإنسانية حجم التراجع بصورة أكثر إيلاماً، فالتمويل المؤكد للنداء الخاص بالأراضي الفلسطينية المحتلة لم يتجاوز 4% من الاحتياجات حتى نهاية أيار الماضي، فيما لم يتجاوز التمويل المؤكد للنداء الخاص بسوريا ولبنان والأردن 20%.
إن نقل التعليم والصحة إلى جهات أخرى قد يبدو، في ظاهره، إجراءً إدارياً لتأمين استمرارية الخدمات. لكن من يضمن التمويل؟ ومن يضمن شمول اللاجئين في مختلف مناطق وجودهم؟ ومن يتحمل مسؤولية الخدمات في لبنان وسوريا والأردن والأراضي الفلسطينية؟ ومن يضمن ألّا يتحول نقل المهام إلى انسحاب تدريجي للمجتمع الدولي من التزاماته؟ ثم ما مصير الولاية الأممية التي ارتبطت بقضية اللاجئين منذ تأسيس الوكالة؟
والأخطر أن نقل المسؤوليات إلى جهات سياسية جديدة قد يفتح الباب أمام ربط الخدمات بترتيبات سياسية وأمنية متغيرة، وخصوصاً في قطاع غزة. فالتعليم والصحة والإغاثة حقوق أساسية للاجئين، ولا يجوز تحويلها إلى أدوات تفاوض أو أوراق ضمن مشاريع إعادة الإعمار وإعادة تشكيل الحكم. إن كرامة الإنسان واحتياجاته اليومية يجب أن تبقى خارج المساومة السياسية، كما يجب أن تظل حقوق اللاجئين محفوظة بصرف النظر عن التحولات في السلطات والاتفاقات.
وفي لبنان، تتضاعف خطورة هذا المسار، فالفلسطيني يواجه أصلاً قيوداً قانونية واقتصادية واجتماعية تحدّ من فرصه في العمل وممارسة عدد من المهن والحصول على الحماية الاجتماعية. ومع تراجع خدمات «الأونروا»، تصبح العائلات أمام أعباء إضافية في التعليم والاستشفاء والإغاثة، في وقت يعاني فيه المجتمع اللبناني نفسه من أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة. وأي تقليص للخدمات من دون بدائل مضمونة سيترك آلاف العائلات أمام خيارات أشد قسوة، ويعمّق الفقر والتهميش ويضاعف هشاشة وحرمان المخيمات.
وفي الوقت نفسه، تُطرح مقاربات جديدة كـ«حوكمة» المخيّمات الفلسطينية في لبنان، وسط حاجة ملحة إلى الانتقال من النظرة الأمنية والإدارية إلى مقاربة حقوقية وتنموية تشاركية. فالمخيّمات مجتمعات بشرية، وأهلها أصحاب مصلحة وحق في تقرير شؤونهم والمشاركة في رسم مستقبلهم. ولا يمكن معالجة أزماتها عبر ضبطها من الخارج أو اختزالها في هواجس أمنية، فيما تبقى حقوق سكانها في العمل والحياة الكريمة والتنمية معلّقة. إن الأمن الحقيقي يبدأ من العدالة والثقة والمشاركة والإحساس بوجع الأجيال المتعاقبة، لا من تكريس الوصاية والحرمان.
ختاماً، إن المجتمع الدولي اليوم يتحمّل المسؤولية الأساسية بصورة لا تحتمل المواربة، فالدول المانحة التي تتراجع عن التمويل، والأمم المتحدة التي يناط بها حفظ الولاية الدولية، والدول التي تملك القدرة على التأثير في مستقبل الوكالة، جميعها مطالبة بتوضيح موقفها من هذه الخطة، وبضمان استمرار خدمات «الأونروا» وحماية دورها. كما أن إدارة الوكالة مطالبة بالشفافية الكاملة إزاء أي مشاورات أو مقترحات لنقل المهام، وبإشراك ممثلي اللاجئين والموظفين في القرارات التي تمسّ مستقبلهم. لا يجوز أن يُرسم مصير ملايين البشر خلف أبواب الاجتماعات، ثم يُطلب منهم التكيف مع نتائج قرارات لم يشاركوا في صنعها.
إن أخطر ما في هذه اللحظة أن يجري التعامل مع مرور الزمن وكأنه حلّ سياسي. فالجيل الذي وُلد في المخيم، وأبناؤه وأحفاده، لا يتحوّلون إلى أصحاب مشكلة دائمة لمجرد أن العالم أخفق في إعادة الحقوق إلى أصحابها. كما أن التمسّك بحق العودة ورفض التوطين لا يجوز أن يتحوّل إلى ذريعة لحرمان الفلسطيني من العمل والتعليم والعلاج والحياة الكريمة في لبنان وسائر بلدان اللجوء. حق العودة وحق الحياة مساران متكاملان؛ ومن حق الفلسطيني أن يعيش بكرامة حيث يقيم، خارج وداخل المخيّمات، كما يجب على لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أن تخرج بحلول إنسانية تطاول حياة الناس وأوجاعهم، بعد أكثر من عشرين عاماً على تأسيسها.
أيها اللاجئون… لا تتكيّفوا، لأنه قد يأتي يوم وتختفي فيه «الأونروا»، وتُغلق المدارس وتنتهي برامج الإغاثة والصحة والاستشفاء. لكن الخطر الأكبر يكمن في أن يتحوّل هذا التراجع إلى أمر مألوف، وأن يعتاد اللاجئ نفسه تآكل حقوقه جيلاً بعد جيل.
وفي النهاية، ويلٌ لمجتمع دولي منافق، يملك سلطة التلاعب بالمأساة، ويعجز عن إنهائها.