على مدى أكثر من عقد، يعيش اللاجئون الفلسطينيون الذين فرّوا من الحرب في سوريا بين ماضٍ مهدّم وحاضرٍ بلا ملامح. فالمخيمات التي كانت تحتضنهم في دمشق ودرعا وحمص، تحولت إلى أطلال، وذاكرتهم هناك باتت سجلاً للفقد أكثر مما هي ذكرى وطن.
حين لجأوا إلى لبنان، حملوا معهم يقيناً بأن الغياب لن يطول، لكن السنوات مرّت ثقيلة، لتكشف أن الإقامة المؤقتة صارت إقامة دائمة بحكم الضرورة.
تشير بيانات وكالة “الأونروا” إلى أن عدد الفلسطينيين القادمين من سوريا إلى لبنان يتراوح بين عشرين وخمسةٍ وعشرين ألفاً. يعيش هؤلاء في ظروف صعبة تتقاطع فيها الأزمات القانونية مع الانهيار الاقتصادي، وسط غياب أي مسار واضح نحو الاستقرار أو العودة.
المخيمات التي تستضيفهم تعاني من ضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، في حين تزداد الضغوط على سكانها مع كل أزمة جديدة تضرب البلاد. كثيرون من اللاجئين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم في سوريا، ليجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة واقع لجوء آخر أكثر تعقيداً وأشد قسوة.
حياة محاصرة بين القوانين والأزمات
يواجه فلسطينيو سوريا في لبنان جملة من القيود تجعل حياتهم اليومية تحدياً متواصلاً. فصعوبة تجديد الإقامات القانونية تعرّضهم لخطر التوقيف أو الترحيل، فيما تحدّ القوانين من قدرتهم على العمل، ما يضعهم في دائرة الفقر والعوز.
تفاقمت أوضاعهم مع الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ عام 2019، إذ ارتفعت الأسعار بشكل حاد وتراجعت قيمة المساعدات النقدية التي يتلقونها، في وقت تقلصت فيه ميزانية “الأونروا” وتراجعت خدماتها التعليمية والصحية. ومع ارتفاع الإيجارات وندرة فرص العمل، يجد كثيرون أنفسهم مهددين بفقدان المأوى أو القدرة على تأمين أبسط احتياجاتهم.
في ظل هذه الظروف، يطالب اللاجئون ببرنامج دعم إنساني مستدام يشمل بدل إيجار ومعونات معيشية شهرية، إلى جانب تسوية أوضاعهم القانونية بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، بما يتيح لهم العمل والعيش بكرامة.

حاجة مُلحّة إلى رؤية إنسانية جديدة
تؤكد منظمات حقوقية وإنسانية أن قضية فلسطينيي سوريا في لبنان لم تعد تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، رغم أنها تمثل إحدى أكثر أزمات اللجوء تعقيداً في المنطقة.
وهذا يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لإعادة تفعيل دور الأونروا بما يتناسب مع حجم الأزمة، وتوفير تمويل مستدام لبرامج الإغاثة، إضافة إلى التنسيق مع السلطات اللبنانية لإقرار إقامة قانونية تتيح لهم العيش بكرامة والعمل ضمن إطار من الحماية.
وحتى ذلك الحين، يبقى فلسطينيو سوريا في لبنان نموذجاً للّجوء المعلّق، بين وطنٍ لم يعودوا قادرين على الوصول إليه، وواقعٍ يضيق بهم يوماً بعد يوم، فيما تتآكل قدرتهم على الصمود في غياب حل سياسي وإنساني حقيقي.
