غازي العريضي – وزير ونائب لبناني سابق
تعود قصّة المخيّمات الفلسطينية في لبنان إلى الواجهة السلبية بعد سلسلة من الحوارات واللقاءات، كان أبرزها اللقاء بين الرئيسين جوزاف عون ومحمود عبّاس، تلته لقاءات بين الفصائل ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي يشرف عليها رئيس الحكومة نوّاف سلام، الذي كان له أكثر من لقاء مع موفد من الرئيس عبّاس والسفير الفلسطيني محمد الأسعد. ونتج من ذلك كلّه تسليم الجيش اللبناني كمّيات كبيرة من الأسلحة الموجودة داخل المخيّمات، وبقي قسم عائد إلى عدة تنظيمات، خصوصاً حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تُناقش آليات تسليمه وتوقيته.
تمثّلت السلبية في الأيام الماضية في مقتل شاب عند مدخل مخيّم شاتيلا باشتباكات داخل المخيّم بين عصابات وتجّار مخدّرات، إذ أصابت رصاصة طائشة الضحية. السبب بشع، وخسارة الشاب الضحية خطيرة، لما في ذاكرة بعض اللبنانيين من سلبيات وأحقاد تجاه الفلسطينيين عموماً، وممارسات بعضهم. حسناً فعلت مجدّداً السلطة الفلسطينية عندما بادرت فوراً إلى معرفة المشتبه فيهم وتوقيفهم وتسليمهم إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية، وبإصدار بيان استنكار والمطالبة بمحاكمة الفاعلين وإبداء الرغبة في إرسال وفد رفيع للتعزية، والتأكيد على ضرورة الاستمرار في تسليم السلاح للدولة ووضع المخيّمات تحت إشرافها.
أبشع ما في الأمر أن تتحوّل المخيّمات مراكز ترويج وبيع للمخدرات. وتبيّن أن لبنانيين ينتمون إلى فئات، بعضها لا يزال ينظر بعين العداء إلى الفلسطينيين، يأتون إلى أبواب المخيّمات ويسألون عن أشخاصٍ محدّدين لاستلام المخدّرات منهم. صحيح أن ثمّة حاجة مادّية وفقراً مدقعاً، وبطالة لا توصف، وأسباباً اجتماعية صعبة، وصحيح أن الأوضاع داخل المخيّمات مزرية، لكن تحوّلها مراكزَ بيع (وربّما إنتاج) للمخدّرات، والاقتتال الداخلي، وإثارة الرعب في أوساط الناس المقيمين في محيطها، وسقوط ضحايا بريئة بين فترة وأخرى، أمر مؤذٍ جدّاً لأمن الفلسطينيين واستقرارهم وسمعتهم، وهم الذين يتعاطف مع قضيتهم النبيلة الشريفة مئات الملايين من البشر في أرجاء العالم كلّه. وبالتالي، لا يجوز الإساءة إلى دماء الأهل وعذاباتهم وآلامهم في الداخل وهم يتعرّضون لأخطر ممّا تعرّضوا له في نكبة 1948. لكن هذا ليس في مصلحة الشعب الفلسطيني، ولا بدّ من وضع حدّ له، وتفلّت السلاح بهذا الشكل لا يخدم أيضاً القضية، لا سيّما أن اتفاقاً لبنانياً عاماً على حصر السلاح اللبناني بيد الدولة فكيف بالسلاح الفلسطيني؟

لقد خطت السلطة الفلسطينية خطوات متقدّمة في حوارها مع السلطة اللبنانية، وبادرت إلى تسليم السلاح والإصرار على استكمال الأمر حتى النهاية، والتأكيد أمام أركان الدولة أنها ترفض التوطين، وتنصح بعدم التجنيس لأيّ فلسطيني أيّاً كانت الأسباب، والإشارة إلى أن مؤسّسة محمود عبّاس خرّجت حتى اليوم عشرة آلاف طالب وطالبة في أهم جامعات لبنان، وفي اختصاصات مهمة في قطاعات مختلفة، وثمّة كثيرون منهم يتجهون إلى الخارج للعمل في اختصاصاتهم، وأن العدد الإجمالي للفلسطينيين أقلّ بكثير ممّا كان عليه. المطلوب فقط إيلاء الاهتمام بأوضاع المخيّمات الداخلية، فهناك مطالبة مزمنة بالسماح بإدخال مواد بناء لحماية البيوت (أو شبه البيوت) المتهالكة، وحماية قاطنيها من عوامل الطقس، فواقع المخيّمات في الداخل مؤلم جدّاً.
وفي العام 2006 كنا نناقش أوضاع المخيّمات في مجلس الوزراء، وقلت: “كثيرون لا يعرفون واقع المخيّمات الداخلي. أقترح تشكيل لجنة وزارية لزيارتها وإعداد تقرير عن ذلك ليبنى على الشيء مقتضاه”. تمّت الموافقة على الاقتراح، وتفقّدت لجنة من أربعة وزراء المخيّمات وعادت بتقرير، واتخذ وزير العمل آنذاك قراراتٍ تتعلّق بالسماح بالعمل في قطاعات معينة للإخوة الفلسطينيين، على أمل معالجة الأوضاع الأخرى. تغيّر الوزير فتغيّر التعاطي مع القرار، ولم يتغيّر الواقع المزري الداخلي، بل ازداد سوءاً.
المطلوب اليوم، ومع الخطوات الإيجابية للسلطة الفلسطينية، استكمالها من الفصائل الفلسطينية الأخرى، وتنفيذ الوعود بإدخال مواد البناء الضرورية لحماية الناس قبل الشتاء، وإعادة النظر إيجاباً بقرارات السماح بالعمل، مع التأكيد على الثابت الأساس: عدم التجنيس، وبالتالي عدم التوطين كما يطالب الفلسطينيون أنفسهم. إننا أمام فرصة لمحاولة إعادة بناء الثقة ومعالجة الأمور بهدوء وواقعية، لما فيه من مصلحة للشعب الفلسطيني، وبالتأكيد لمصلحة الدولة اللبنانية. فلا يجوز أن تفوَّت هذه الفرصة كما فوّت بعضهم الفرص السابقة عندما اتخذنا قراراً يؤكّد ضرورة تسليم السلاح خارج المخيمات، وتنظيم وجوده داخلها، ولم ينفّذ شيء إلا بعد أيام من سقوط النظام السوري.
في هذه المرحلة ليكن تعاون، ولتكن ثقة… كفى الفلسطينيين عذاباً، وكفى اللبنانيين انقسامات وخلافات.