| |

دوروثي كلاوس: من الأنثروبولوجيا إلى هندسة التحوّل الرقمي للمخيمات الفلسطينية

تحقيق استقصائي

 

حين تتسلّل التكنولوجيا إلى قلب المأساة الإنسانية، يصبح السؤال الأخطر: من يملك مفاتيح البيانات؟

في هذا السؤال تحديدًا تبدأ قصة دوروثي كلاوس، المديرة العامة لوكالة الأونروا في لبنان، التي تحوّلت في غضون عقدين من باحثة أكاديمية هادئة إلى شخصية جدلية تتقاطع عندها خيوط المال، والسياسة، والأمن، والتكنولوجيا في أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط: ملف اللاجئين الفلسطينيين.

 

أولاً: سيرة ومسار أكاديمي يُثير التساؤلات

 

تنحدر كلاوس من ألمانيا، وتحمل خلفية أكاديمية تبدو للوهلة الأولى رصينة:

  • ماجستير في الأنثروبولوجيا والفلسفة من جامعة Freie Universität Berlin.
  • ماجستير في المساعدة الإنسانية.
  • دكتوراه في الجغرافيا من جامعة Ruhr-Universität Bochum عام 2003، بأطروحة بعنوان:

“Where to Belong? Palestinian Refugees in Lebanon”.

 

أطروحتها تناولت اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من منظور اجتماعي–مكاني، لكنها عُرضت بروح تحليلية “باردة”، تختزل معاناة الشتات في أسئلة الانتماء والإدماج دون التطرّق إلى العدالة أو حق العودة.

وما يثير الانتباه أن الجامعة التي منحتها الدكتوراه، بوخوم الألمانية، ترتبط بشراكات بحثية مع مؤسسات إسرائيلية مثل جامعة تل أبيب، حيث تتطلب من طالب الدكتوراه مناقشه رسالته وعرضها على الجامعتين معا، ما يفتح باب التساؤل:

هل انعكس ذلك على رؤيتها الأكاديمية اللاحقة للملف الفلسطيني داخل الأونروا؟

 

ثانيًا: من الإغاثة إلى البيروقراطية الذكية

 

بدأت كلاوس مسيرتها الأممية عام 2000 في اليونيسف باليمن كموظفة شابة في التخطيط والبرمجة، ثم شغلت مناصب في آسيا وإفريقيا، قبل أن تنضم إلى الأونروا عام 2014 كنائبة مدير برامج الأردن.

في عام 2017، تولّت إدارة برنامج الإغاثة والخدمات الاجتماعية، أحد أكثر برامج الوكالة حساسية، إلى أن رُقيّت في فبراير 2023 إلى منصب مديرة الأونروا في لبنان.

 

لكنّ هذا الصعود لم يكن مجرد انتقال وظيفي. فمنذ تولّيها المنصب، تغيّر وجه الأونروا في لبنان:

تحوّلت من وكالة إغاثية تقليدية إلى مختبرٍ للرقمنة الإنسانية – مشروع طموح يُسوَّق تحت شعار “التحوّل الرقمي”، لكنه يُعيد صياغة العلاقة بين اللاجئ الفلسطيني والمؤسسة في شكلٍ جديد من الإدارة الرقمية للسكان.

 

ثالثًا: التمويل الألماني… وتحوّل المانح إلى موجِّه

 

كلاوس، بحكم جنسيتها وصلاتها الدبلوماسية، نجحت في جذب تمويل ألماني واسع لبرامج الأونروا في لبنان.

اتفاقات عدة وُقّعت مع بنك التنمية الألماني (KfW) لدعم مشاريع البنى التحتية والتعليم والخدمات الاجتماعية، غير أن هذه الاتفاقات جاءت مشروطة بأنظمة إبلاغ ومراقبة رقمية دقيقة، وعليها تساؤلات كثيرة حول جدواها وأهدافها..

 

تحت شعار “الشفافية والمساءلة”، فرضت كلاوس نموذج إدارة أقرب إلى شركات الاستشارات التقنية الأوروبية منه إلى مؤسسة إنسانية، حيث يُقاس نجاح المشروع بعدد التقارير الرقمية لا بعدد الأسر التي أُنقِذت.

بعبارة أخرى: المعاناة تحوّلت إلى بيانات، والفقر أُعيد تصنيفه كمعطى إحصائي أكثر منه مأساة إنسانية.

 

وهنا يبرز السؤال المركزي:

هل أصبح التمويل الإنساني وسيلة لضبط المجتمعات الفلسطينية تحت غطاء “التحقق الرقمي”، واستخلاص بيانات يتم استخدامها في مشاريع لها علاقة بشطب قضية اللاجئين وحق العودة؟

 

رابعًا: المكننة والتحقُّق الرقمي… الوجه الخفي للتحوّل الإنساني

 

من أكثر مشاريع كلاوس جدلًا وريبةً هو مشروع التحقق الرقمي والمكننة، الذي يهدف – ظاهريًا – إلى تحديث سجلات اللاجئين وتجنّب الازدواجية في المساعدات.

لكن عمليًا، يُطلب من كل لاجئ أن يُثبت هويته رقمياً عبر بصمة أو صورة أو رمز إلكتروني للحصول على المساعدة النقدية أو الغذائية.

 

هذا النظام يولّد قاعدة بيانات مركزية ضخمة تتضمن معلومات شخصية عن مئات آلاف اللاجئين: مكان السكن، أفراد العائلة، الحالة الاجتماعية، الوضع الاقتصادي، والأنماط الاستهلاكية.

ولا توجد آلية شفافة توضّح من يملك حق الوصول إليها، أو كيف تُستخدم، أو إن كانت تُشارك مع جهات مانحة أو استخباراتية.

 

في بعض المخيمات، كـ عين الحلوة وبرج البراجنة، تحدّثت أسر عن حجب مساعدات بسبب “أخطاء في التسجيل” – ما جعل الحق الإنساني يتحوّل إلى امتياز تقني مشروط.

 

خامسًا: بين الشفافية والمراقبة الناعمة

 

الخطاب الرسمي للأونروا يصف مشروع المكننة بأنه “نقلة نوعية نحو الشفافية”.

لكن المراقبين يرون فيه بداية نظام مراقبة ناعم، يستبدل الزيارات الميدانية بواجهات إلكترونية، ويراقب حياة اللاجئين من خلف الشاشات، ونسأل هنا لمصلحة من هذا.

 

حتى المسوح الاجتماعية التي أُجريت بإشراف كلاوس، مثل Lebanon Socioeconomic Survey (2023)، جمعت بيانات دقيقة عن العمل والهجرة والعلاقات العائلية، ما يثير مخاوف من تحوّل اللاجئين إلى حقول تجارب للسياسات التقنية الأوروبية في إدارة السكان من جهة، والاستخدام المريب لهذه البيانات من جهة أخرى.

 

وهكذا، تصبح “الهوية الرقمية” أداة إعادة تعريف للوجود الفلسطيني، لا كجماعة بشرية لها حقوق، بل كـ مجموعة بيانات قابلة للمراقبة والتحليل.

 

سادسًا: إدارة الأزمة بدل حلّها

 

في الإعلام، تظهر كلاوس كإدارية منضبطة تتحدّث بلغة دبلوماسية محايدة، لكن خلف هذا الهدوء تتصاعد أصوات داخلية من داخل الأونروا نفسها تتحدّث عن:

  • تضييق على المبادرات الفلسطينية المستقلة داخل المخيمات.
  • إحالات متكررة إلى “إجازة إدارية” لموظفين منتقدين للسياسات الجديدة.
  • تشديد غير مسبوق على مبدأ “الحياد”، الذي يُستخدم – بحسب بعض الموظفين – كذريعة لتكميم الأصوات.

 

هكذا تتحوّل الأونروا إلى جهاز إدارة أزمات أكثر منها وكالة تنموية، وتتحوّل “الحيادية” إلى شكل من أشكال الانضباط السياسي المقصود.

 

سابعًا: السياسة والأمن… الحدود الضبابية

 

وجود كلاوس في لبنان يضعها وسط معادلة معقّدة تجمع اللاجئين الفلسطينيين، الدولة اللبنانية، الفصائل، والمانحين الأوروبيين.

أي اختلال في هذا التوازن قد يتحوّل إلى أزمة سياسية أو أمنية.

 

في عام 2023، حين حذّرت كلاوس من أن “جماعات مسلحة تحتل منشآت الأونروا في عين الحلوة”، بدا التصريح للوهلة الأولى تحذيرًا إنسانيًا، لكنه حمل أيضًا رسالة سياسية مزدوجة:

توجيه اللوم نحو الفصائل داخل المخيم، وتبرير التشدد الإداري اللاحق باسم الأمن.

 

وبينما تواجه الأونروا اتهامات من إسرائيل وواشنطن بتورط موظفين مع حماس، وجدت كلاوس نفسها في قلب معركة إعلامية، إذ اتهمتها منظمة UN Watch بـ”إخفاء معلومات” حول موظفين مرتبطين بفصائل فلسطينية، وهو ما نفته رسميًا.

لكن الحادثة كشفت هشاشة مفهوم “الحياد” في عمل الوكالة تحت قيادتها، وبرّرت لها الذهاب بعيداً في استهداف الانتماء الوطني للعاملين في الوكالة.

 

ثامنًا: الأسئلة المفتوحة

 

يتضح أن دوروثي كلاوس تُمثّل نموذجًا جديدًا من الإداريين الدوليين الذين يسعون للجمع بين الإنسانية والرقمنة، لكن في بيئة مفعمة بالسياسة والأمن.

إنها تحاول إعادة تعريف العمل الإنساني، لكن النتيجة قد تكون  إعادة تعريف اللاجئ نفسه:

من إنسان له حقوق، إلى رقمٍ داخل قاعدة بيانات.

 

ويبقى السؤال الجوهري:

هل هذه التحوّلات هي تحديثٌ ضروري للعمل الإغاثي؟

أم أنها شكل جديد من السيطرة الناعمة على المجتمعات الهشّة تحت مسمّى “التحقق الرقمي”، ضمن مشروع كبير وخطير؟

 

بين الملفات الأكاديمية والبرامج الرقمية، وبين بيروقراطية الأونروا ومآسي المخيمات، تقف دوروثي كلاوس كوجهٍ مُعبّر عن مرحلة انتقالية في تاريخ الوكالة:

من الإغاثة إلى الإدارة، ومن المساعدة إلى المراقبة، ومن المراقبة إلى ….

 

إنها تمثل تحوّل “الإنسانية المؤتمتة” — حيث تُدار حياة اللاجئين ببرمجيات، وتُقاس المأساة بالبيانات، وتُحكم المخيمات ليس بالقوة، بل بالأرقام.

 

تقرير صادر عن :

اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني

 

موضوعات ذات صلة