جابر سليمان
مستشار ومنسق لمنتدى الحوار الفلسطيني اللبناني
لفهم مسألة سلاح المخيمات، لا بد من وضعها ضمن الإطار القانوني والمؤسسي الأوسع الذي حكم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين لعقود. فلبنان لا يمتلك تشريعات خاصة باللاجئين الفلسطينيين، بل يتعامل معهم قانونيًّا باعتبارهم أجانب، وأحيانًا كفئة خاصة من الأجانب تُحرم من حقوق يتمتع بها غير اللبنانيين الآخرون، مثل الحق في التملك العقاري، إذ لا يستطيع الفلسطينيون تملُّك العقارات، ويواجهون قيودًا في ممارسة عشرات المهن، ويُحرمون من الضمان الاجتماعي.
هذا الواقع يشكِّل ما يمكن وصفه بـ”التمييز المؤسسي”، أي شبكة من الإبعادات القانونية والإدارية والاجتماعية التي تكرِّس التهميش. أما المديرية العامة المعنية بإدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان التي أُنشئت عام 1959، فدورها ليس أكثر من دور “سجل مدني”، إذ يقتصر على تسجيل الولادات والوفيات، وإصدار بطاقات الهوية، إذ جرى تأسيسها أصلًا في حقبة العهد الشهابي، التي تميزت بإحكام القبضة الأمنية على المخيمات، من قبل المكتب الثاني في مخابرات الجيش اللبناني.
وفي عام 2005، وبعد انسحاب القوات السورية، أنشأت الحكومة لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي تتبع رئيس مجلس الوزراء، وهي لجنة استشارية لا تملك صلاحيات تنفيذية. وعلى الرغم من أن من مهامها الأساسية متابعة المسائل الاجتماعبة والاقتصادية والقانونية والأمنية في المخيمات، ومن ضمنها معالجة مسألة السلاح داخل المخيمات وخارجها، فإن المنظور الأمني طغى على عملها، خاصة في المرحلة الحالية. وهو ما يعكس السياسة اللبنانية الأوسع: التعامل مع الوجود الفلسطيني كقضية أمنية لا كقضية حقوق. وعليه فعندما تتحدث الدولة اليوم عن نزع السلاح، فإنها تفعل ذلك من خلال ذلك المنظور.
لقد عانى اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أشكالًا متعددة من التمييز والتهميش، بما في ذلك التهميش المكاني، حيث تُعامل الدولة المخيمات كمناطق تهديد أمني أو بؤر إجرامية، وتحاصرها بالحواجز العسكرية وتقيِّد حركة سكانها. وإن لم يُعَد النظر جذريًّا في هذا الإطار، فإن أي عملية نزع سلاح لن تؤدي إلا إلى تعميق الإقصاء بدلًا من ترسيخ سيادة القانون.
لا يمكن تحقيق الاستقرار قسرًا. فالمفهوم الحقيقي للسيادة، سواء اللبنانية أو الفلسطينية، يقوم على سيادة القانون والمساواة، لا على إخضاع الفئات الضعيفة. وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان منذ أكثر من سبعين عامًا دون حقوق لم يحقق الأمن، بل عمَّق معاناتهم اليومية، وولَّد شعورًا شديدًا بالاغتراب.
تذبذبت السياسة اللبنانية تجاه المخيمات بين القمع والإهمال والانفتاح المحدود: من التكيُّف الحذر في الخمسينيات، إلى المراقبة الأمنية الصارمة في الستينيات، ثم منح هامش إدارة ذاتية بموجب اتفاق القاهرة، وصولًا إلى القمع الدموي بعد عام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا، وانهيار المؤسسات الفلسطينية بعد خروج منظمة التحرير، في حين تولت منظمات المجتمع المدني المحلية أدوارًا بديلة بإمكانات محدودة.
بعد اتفاق الطائف عام 1989، الذي شكّل النظام اللبناني بعد الحرب، اُستبعد الفلسطينيون من المصالحة الوطنية اللبنانية، وتكرست سياسة الإهمال. أما إنشاء لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني عام 2005، الذي ترافق مع بعض الانفتاح في الخطاب اللبناني بخصوص الملف الفلسطيني، ومع بعض الضغوط من المانحين الدوليين الراغبين في إدارة ملف اللاجئين بطريقة أكثر عقلانية، فلم يُحدِث تحولًا حقيقيًّا في واقع الحال.
إن الحديث الحالي عن نزع السلاح يكرِّر مقاربة تقليدية ترى في اللاجئين عبئًا أمنيًّا لا جماعة تستحق الحماية القانونية.
لذلك، فإن الحديث الحالي عن نزع السلاح يكرِّر مقاربة تقليدية ترى في اللاجئين عبئًا أمنيًّا لا جماعة تستحق الحماية القانونية، في حين يكفل الدستور اللبناني بالفعل مواثيق حقوق الإنسان الدولية، ولو طُبقت لأمكن ضمان حق اللاجئين في العمل والتعليم والكرامة.
لا خلاف على سيادة الدولة اللبنانية على المناطق اللبنانية كافة، بما في ذلك المخيمات الفلسطينية لكن المشكلة تكمن في أن الاختبار الحقيقي لسيادة الدولة هو في قدرتها على تطبيق القانون بعدالة، لا في نزع سلاح جماعة مهمشة بينما يستمر التمييز البنيوي ضدها.
ما أثر الديناميات الإقليمية الحالية في سياسات نزع السلاح، وفي مستقبل اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة بشكل أوسع؟.
بالفعل، المشهد الإقليمي الراهن –تسارع مسار التطبيع مع النظام إسرائيلي، ومشروعات “الممرات الاقتصادية”، والحديث عن “الشرق الأوسط ما بعد الصراع”- يهدف إلى تصفية قضية اللاجئين لا حلِّها. ويخدم نزع سلاح المخيمات هذا المسار، إذ يجرِّد المخيمات من هويتها النضالية ورمزيتها كآخر تجسيد مادي لحق العودة.
الخطوات نحو نزع السلاح ليست جديدة، لكن الديناميات الإقليمية قد تغيّرت.
جرت بالفعل محاولات لنزع السلاح عام 1991، حين سلَّمت الفصائل الفلسطينية الأسلحة الثقيلة للسلطات اللبنانية في محاولة للوصول إلى تفاهم بشأن قضية اللاجئين. ونتيجة لذلك، انتشر الجيش اللبناني حول المخيمات في الجنوب.
غير أن الدولة جمدت بعدها أي تقدم نحو معالجة التحديات التي تواجه اللاجئين الفلسطينيين.
والجديد اليوم هو السياق الإقليمي: ضغوط للسيطرة على الحدود اللبنانية، والاصطفاف مع الأجندات الغربية والخليجية الهادفة إلى إضعاف حركات المقاومة، سواء حزب الله أو الفصائل الفلسطينية. فتحت شعار “تعزيز السيادة اللبنانية” تتحرك إستراتيجية أميركية–إسرائيلية أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بعد السابع من أكتوبر 2023، من خلال القضاء على قوى المقاومة ودفع مسار التطبيع إلى الأمام. في هذا الإطار، يصبح من الأسهل على الدولة اللبنانية استهداف نزع سلاح المخيمات الفلسطينية بدلًا من مواجهة حزب الله، بما يتماشى مع الأهداف الأميركية ويُظهر امتثالها للتوقعات الدولية.
إن الاختبار الحقيقي لسيادة الدولة يكمن في قدرتها على تطبيق القانون بعدالة، لا في نزع سلاح جماعة مهمشة بينما يستمر التمييز البنيوي ضدها
عندما شاهدنا المسؤولين يسلمون سلاحًا في مخيم برج البراجنة أمام الكاميرات، كان ذلك فعلًا رمزيًّا يستهدف إظهار جدية الدولة اللبنانية أمام واشنطن وباريس كما ذُكر سابقًا. الدرس السياسي هنا أن السلطات اللبنانية تستخدم الملف الفلسطيني كساحة لتصفية حسابات إقليمية، ما يهدد اللاجئين كما يهدد التوازن الهش في لبنان.
وأخيرًا، ينبغي على المجتمعينِ المدنيينِ الفلسطيني واللبناني مواجهة هذا المسار، وإعادة تأطير النقاش ضمن منظور قائم على الحقوق لمعالجة قضية اللاجئين. لا يمكن للبنان بناء سيادته على إقصاء جماعة عاشت على أرضه منذ خمسة وسبعين عامًا. السبيل الوحيد إلى الاستقرار هو مواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية الخاصة باللاجئين، وضمان المساواة أمام القانون.
فأي نقاش حول نزع السلاح يجب أن يندرج ضمن إطار شامل لمبدأ الأمن البشري المرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومة حقوق الإنسان، وإلا فسيعيد إنتاج انعدام الأمن.
