| | | | |

أمجد خشّان فتى فلسطين الذي قتل الاحتلال أحلامه

في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، الذي تعلّم أطفاله أن يكبروا قبل الوقت، كان أمجد خشّان يحاول أن يتشبّث بما تبقّى من ملامح الطفولة. فتى في السابعة عشرة، يحمل كتبه بيدٍ وطموحه باليد الأخرى ويتحضّر بخطوات ثابتة لخوض امتحانات الثانوية العامة التي كان يراها بوابته الأولى إلى المستقبل… لكن الاحتلال أطفأ مستقبله.

من سحماتا… إلى المخيم

وُلد أمجد لعائلة فلسطينية هجّرها الاحتلال من بلدة سحماتا في الجليل؛ البلدة التي لم يرها يوماً، لكنها شكلت جزءاً ثابتاً من ذاكرته اليومية.
كان يستمع إلى حكايات الكبار عنها ويتمسّك بحق العودة كما لو أنّ الطريق إليها مفتوح أمامه، ويردّد أنّه يحلم بالعودة إليها يوماً “بالمقاومة والدم”.

طالب ثانوية… يستعد لامتحانات لم يصل إليها

كان أمجد طالباً في الصف الثالث الثانوي في ثانوية بيسان التابعة لوكالة الأونروا، يستعد لامتحانات الثانوية العامة التي كانت تفصله عنها أشهر قليلة.
حمل هذا العام من المسؤوليات ما هو أكبر من عمره وكان يخطط لمرحلة جامعية يريد من خلالها أن يبني مستقبلًا جديدًا لنفسه ويخدم مجتمعه وبلده ويصنع فرقاً يتجاوز ضيق المخيم.

وإلى جانب دراسته، كان أمجد ناشطاً طلابياً بارزاً، وأحد أبرز المشاركين في الحراكات الطلابية مطالباً بحقوق الطلاب ومعبراً عن صوت الشباب الفلسطيني تجاه قضاياهم التعليمية والاجتماعية.. لقد جمع بين التزامه الدراسي ونشاطه المجتمعي ما جعله مثالاً للشاب الواعي والمسؤول، قبل أن تقطع حياته فجأة.

لكن صواريخ الاحتلال التي هزّت المخيم أنهت كل ذلك بشكل مفاجئ، فترك مدرّسيه ورفاقه أمام مقعد فارغ سيظل شاهداً على ما لم يكتمل.

 

قائد بين الأطفال… ووجه مألوف في العمل التطوعي

في كشافة الإسراء، كان اسم أمجد معروفاً.
لم يكن مجرد متطوّع بل قائداً محبوباً بين الأطفال؛ يتقدّمهم بابتسامة ويحيطهم بالطمأنينة. أحبّ الأعمال الخيرية وشارك في حملات دعم لأهل غزة وأنشطة إنسانية داخل المخيم، ورأى في كلّ مبادرة واجباً وطنياً لا مجرد نشاط تطوعي.

كان صوته يصدح بالأناشيد والكلمات التي تعكس ارتباطه بفلسطين وهويته.

حديثه المستمر عن الصمود والجهاد بالمعنى الروحي والمعنوي جعله قريباً من الجميع، فكان محفّزاً لرفاقه وصاحب همة عالية وشاباً لا يمر في مكان إلا ويترك أثراً.

ابن أمّه… وصغير العائلة

كان أمجد الابن الأصغر وصديق والدته الأقرب، الذي تعتمد عليه في تفاصيل يومية كثيرة، داخل المنزل كان كما يعرفه كل من حوله حنوناً، وقريباً ومستعداً للمساعدة.. مدلل أمه كان يملأ البيت دفئاً بوجوده، لكن استشهاده ترك المنزل بصمتٍ قاس وفخر لا يُضاهى.

 

محمد شناعة: كنا نسير كظلّين لا ننفصل

يروي محمد شناعة لموقع صدى، وهو أحد أقرباء أمجد وصديقه الأقرب، أنّهما نشآ معاً منذ الطفولة وتربّيا على حب القضية والعمل من أجلها.
ويقول إن التعلّق بينهما ازداد في الفترة الأخيرة إلى حدّ لم يفترقا فيه إلا نادراً؛ كانا يلتقيان يومياً، يتشاركان الطعام والأنشطة والتطوع، وكانا يخططان لقضاء ليلة كاملة معاً في اليوم الذي رحل فيه أمجد.

حين دوّى الانفجار، انتابه شعور داخلي قوي بأن أمجد أصيب. اندفع نحو منزل عائلته بلا تفكير، ومنه إلى مكان الحدث، حيث سمع روايات متضاربة عن مصيره. رافق العائلة في جولة بحث بين المستشفيات، إلى أن وصلوا إلى مستشفى الراعي حيث تلقّوا خبر استشهاده.

يقول محمد إن رحيل أمجد خلّف فراغاً واسعاً في يومياته، فقد كانا يسيران كظلّين لا يفترقان. واليوم يشعر أنّ جزءاً من حياته توقّف معه.

 

بقيت قصة أمجد شاهدة 

لم يصل أمجد خشّان إلى أحلامه التي رسمها، ولا إلى سنواته الجامعية التي انتظرها، ولا إلى حلم زيارة سحماتا التي حملها في قلبه منذ الطفولة، فالاحتلال قتل أحلامه قبل أن تبدأ، واغتال طموحه الذي ظلّ يبنيه خطوة خطوة، وارتكب مجزرة خطفت حياته وحياة رفاقه دفعة واحدة.. مجزرة لم تقتل أجساداً فحسب، بل قطعت مستقبلاً كاملاً كان يمكن أن ينمو لو أُتيح له أن يعيش.

لكن قصة أمجد تبقى جزءاً من الصورة الأكبر لحياة جيل فلسطيني يكافح ليحلم في بيئة لا تمنحه فرصة كافية، ويواجه واقعاً يصرّ على خطف أحلامه قبل أن تتفتح.

سيبقى اسم أمجد مرتبطاً بطفلٍ كان يقود الآخرين إلى الفرح، وبشاب كان يستعد لامتحان مصيري، وبقائد صغير في العمل التطوعي. وسيبقى رحيله دليلاً إضافياً على مستقبل فلسطيني ما زال محاصراً بين فقدٍ يتكرر وواقعٍ لم يتغير بعد.

 

موضوعات ذات صلة