من يقرأ بيانات مجلس الأمن الأخيرة بخصوص غزة يدرك – دون حاجة لحدسٍ عميق – أن العالم يعيد تلاوة فصول قديمة من كتاب الإستعلاء ..!!
يتحدّثون بلهجاتٍ ملساء عن “التهدئة” ، و”الضبط، و ”الاستقرار”، بينما تتسرّب من بين الكلمات رائحة الوصاية ، وكأن غزةَ طفلٌ يجب أن يُقاد ، لا شعب يخط مصيره بدمه ..!!
في كل اجتماع ، وفي كل قرار ، يتكرر المشهد ذاته :
فرعون يعتلي منصته، وهامان يهمس في أذنه، وجنودهما يصفّقون من خلف المقاعد المخملية ..!!
يظنون أن الأدوات نفسها التي أخضعت شعوبًا كثيرة ستُخضع غزة .
يظنون أن الضغط السياسي، و الابتزاز المالي ، وصوت العواصم الكبرى قادرٌ على أن ينزع من قلوب الناس شوقهم للحريةوايمانهم بانهم اصحاب الحق الأصيل ..!!
لكنهم – كما في القصص القديمة – ينسون أن الشعوب التي يُراد لها أن تُسحق هي غالبًا الشعوب التي تتقن قْلب الموازين ..!!.
غزة، يا سادة ، ليست قضيةً تُدار على الطاولات :
غزة إرادة، والإرادة حين تشتعل لا تطفئها قرارات الأمم ولا تهديدات الطغاة ..!!
لقد جُرّبت على هذا الشعب كل أدوات القهر :
الحصار، التجويع ، القصف ، التهجير ، التحريض ، ومن قبلهم التجارب السياسية التي أرادت أن تبني للفلسطيني وطنًا بغير سيادة، وسلامًا بغير كرامة ..!!.
ومع ذلك ،كلما خُيِّل للعالم أن الفلسطيني قد تعب، نهض من قلب الرماد كأنّه أوّل الجند وأعظم القادة ..!!
قرارات مجلس الأمن الأخيرة تحاول أن تعيد ترتيب ساحة غزة وفق مشيئة الطغاة، لا وفق إرادة الشعب الذي ظُلِم ..!!
تتحدث عن “ترتيبات انتقالية”، و”إدارةٍ بديلة”، و”ضماناتٍ أمنية”..!!
وكأن الغزيّ لا يعرف كيف يحكم حياته ، ولا كيف يختار طريقه نحو الانعتاق من محتله بعد كل ما قدمه من أثمان غالبة على مذبح الحرية ..!!
لكن الغزيّ – ابن البحر والبارود – يعرف تمامًا من هم “فرعون وهامان وجنودهما” ..!!
يعرف أن الذين يجلسون في الأبراج الزجاجية يخطّون خرائط بلا روح ، لن يصنعوا له مستقبلًا.
ويدرك أن كل محاولة لتطويعه ستنتهي كما انتهت محاولاتهم كلها :
صوتًا في الفراغ ، ووصايةً بلا موطئ قدم ..!!
الشعب الفلسطيني – وفي القلب منه أهل غزة – لم يُهزم يومًا لأن الهزيمة تحتاج روحًا تقبل الانكسار، وهذه الروح لا يسكنها الفلسطيني ..!!
إنهم لا ينتظرون من مجلس الأمن عصًا سحرية، ولا يخافون من قراراته .
لقد اختبروا العالم كله؛ فلم يبقَ في وجوههم خوف، ولا في قلوبهم تردّد ..!!
وها هم اليوم – رغم الجراح – يكتبون بدمهم ما لا تستطيع الدول العظمى كتابته بحبرها :
أن الحرية لا تستورد ، وأن الكرامة لا تُهدى ، وأن الشعوب التي تريد الحياة لا يوقفها قرار ولا يقيدها مجلس.
قد يجتمع فرعون وهامان وجنودهما مرةً أخرى، وقد يصيغون ألف قرار، ويعيدون ترتيب الكلمات ألف مرة
لكن غزة ستبقى كما كانت دائماً :
الاستثناء العنيد
الذي يفسد المؤامرة،
ويفاجئ اللاعبين،
ويعيد للإنسان معنى أن يكون حرًّا في عالمٍ يتواطأ على سجنه ..!!.
غزة لا تقبل الوصاية،
ولا تركع أمام الطغاة،
ولا تنتظر إذنًا لتدخل التاريخ
هي ماض من النار، وحاضر من الصبر، ومستقبل يصنعه رجالها بالثبات والرسوخ،
وهي وحدها — بلا مجلس أمن ، ولا جيوش حلفاء —
ستقلب المعادلات من جديد ..!!
