حسين منصور – البقاع
عند المدخل الشرقي لمخيّم الجليل، يرتفع مبنى فريد في حجمه وتصميمه، يُستَخدم اليوم كمركز لجمعية جنة الإبداع. أروقته تتنفس الحياة بأصوات الأطفال، وجدرانه مزدانة بالرسومات التي تحاكي التراث الفلسطيني، بينما تمتد المساحات المفتوحة والملاعب لتتيح حرية الحركة واللعب لجميع الأعمار.
تبدأ الحكاية منذ نحو خمس سنوات، عندما أُغلق المبنى الذي كان يحتضن أنشطة تعليمية وثقافية في المخيم، وبات المكان شبه مهجور. بعد مرور عامين على الإغلاق، انطلقت المبادرة بجهود فردية لإعادة الحياة إلى الروضة، وأسست معها جمعية جنة الإبداع.
اليوم، تضم الجمعية روضة جنة الأطفال ومكتبة أحمد أبو غزالة، لتصبح مركزًا متكاملًا يقدم خدمات تعليمية وثقافية لجميع فئات المجتمع في المخيم والمناطق المجاورة، رغم التحديات المالية ومواردها المحدودة.
تقول مروة عدوان، مديرة المركز: “انطلقت الجمعية بهدف توفير بيئة داعمة وآمنة للأطفال، قبل أن تتوسع لتشمل أنشطة تعليمية وثقافية للشباب والنساء وكبار السن، بما يعكس رسالة الجمعية في بناء مجتمع متعلم ومبدع.”
وتضيف عدوان أن المبادرة بدأت بجهود فردية ودعم من المجتمع المحلي والمغتربين، قبل أن تتبلور في إطار جمعية جنة الإبداع التي أحدثت نقلة نوعية للروضة والمعلمات.
روضة جنة الأطفال… بيئة آمنة للتعلم والنمو
اليوم، باتت الروضة أكثر من مجرد صفوف وتدريس. فوفق عدوان، فإن رسالة المركز تتجاوز التعليم التقليدي إلى بناء شخصية الطفل وتعزيز انتمائه في بيئة حاضنة ومتطورة: “رسالتنا أن يكون الأطفال في بيئة آمنة، تُنمّي فيهم الحب والانتماء والتعلم. نريد أن نبني مستقبلهم رغم كل الصعوبات، بطموح وأمل.”

ورغم ضيق الإمكانات المادية، تمكنت الروضة من خلق بيئة محفزة للأطفال، تقدم لهم فرص التعلم والنمو، مع الحرص على تعزيز الانتماء والهوية الفلسطينية، ولا تغيب القضية الفلسطينية عن نشاط الروضة؛ فهي حاضرة في المناسبات، في الأغاني والرسوم، وفي القصص التي تحكي للأجيال قصة أرض وشعب وهوية.
مكتبة أحمد أبو غزالة… من فضاء للكتب إلى مركز ثقافي نابض
داخل المبنى نفسه، تنبسط مكتبة أحمد أبو غزالة، التي تأسست عام 2017، لكنها اكتسبت نفساً جديداً بعد انضمامها للجمعية. تقول بتول يوسف، أمينة المكتبة: “هدف المكتبة هو تثقيف المجتمع المحلي داخل المخيم. نحن نستقبل الأطفال من عمر ثلاث سنوات وما فوق، ونقدم لهم ساعة قراءة أسبوعية، وأنشطة يدوية، ونحيي المناسبات الوطنية والثقافية.”
المكتبة ليست مجرد رفوف كتب؛ بل مساحة تفاعل حيّ بين الأجيال. فهناك زاوية للأطفال وأخرى للشباب، بالإضافة إلى أندية وأنشطة منها نادي القراءة، نادي السينما، رحلات ثقافية، ودورات في الكمبيوتر، وصولاً إلى خدمة إعارة اللابتوبات لمن يحتاجونها.
وتضيف يوسف: “نعمل أيضاً على تمكين النساء من خلال تدريبات شهرية تساعدهن على اكتساب حرفة أو مهارة تمكّنهن من إنشاء مشروع اقتصادي يعزز استقلاليتهن.”

أما البعد الوطني فحاضر بوضوح في هذه المساحة: “نحرص في المكتبة على تعزيز الانتماء الوطني لفلسطين، من خلال الأمسيات الشعرية، ومناقشة روايات لكُتّاب فلسطينيين، وإحياء المناسبات الوطنية.”

فنّ يفتح أبواباً جديدة للنساء
وعلى مقاعد التدريب داخل المكتبة، تتوزع النساء بين الرزين والرسم على الزجاج والتصوير. هناك التقينا غدير الشياح، مدربة الرزين، التي تحدّثت بشغف عن تجربتها: “أحببت أن أشارك أفكاري مع المشاركات، كي تتمكن كل فتاة وامرأة من امتلاك مشروعها الخاص والاعتماد على نفسها.”
غدير تؤكد أنها استفادت بقدر ما أعطت: “شاهدت إبداعات جميلة، وفتيات اكتسبن آفاقاً جديدة. شجّعتهن دائماً على الثقة بقدراتهن.”
الشباب… من مستهلكين للثقافة إلى صانعين لها
بين رفوف الكتب ونقاشات نادي القراءة، يجد كثير من شبان المخيم متنفساً وفضاءً للتعبير. آمنة همج، وهي متدربة في الجمعية، قالت:
“الجمعية توفر لنا كشباب فرصاً كثيرة: نادي القراءة، الدورات، والورش المتنوعة. هذه الأنشطة منحتني القدرة على تطوير مشروع خاص بي، وجعلتني شخصاً اجتماعياً أكثر.”
عند الخروج من المبنى، يتضح أن جنة الإبداع ليست مجرد مركز؛ إنها تجربة جماعية تحاول، وسط ظروف اللجوء، أن تصنع فارقاً حقيقياً في مجتمع محدود الموارد، واسع الطموح.
فهنا تُولد مشاريع صغيرة لنساء يسعين للاستقلال، ويكبر أطفال يجدون في اللعب والقراءة فسحة أمان، وينمو شباب يكتشفون قيمة النقاش والبحث والمعرفة.
وهنا أيضاً، تظل فلسطين حاضرة… في الأغاني، وفي الاحتفالات، وفي قصص الأطفال التي تبدأ دائماً بـ”كان يا ما كان… في فلسطين”.

بهذه الروح، تواصل الجمعية عملها: خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في مضمونها مشروعاً واسعاً يهدف إلى تمكين المجتمع، وبناء جيل يحمل العلم والانتماء والأمل في آن واحد.