فاديا منصور – صدى الشتات
في مشهد لامس الوجدان الفلسطيني بكل تفاصيله، عاش مخيم البداوي في شمال لبنان يوماً غير عادي، يوماً اختلط فيه الحزن بالأمل والدموع بالابتسامة، مع استقبال مجموعة من أطفال غزة الجرحى الذين نُقلوا إلى لبنان لاستكمال علاجهم بعد الحرب الإسرائيلية على القطاع.

استقبال أطفال غزة: المخيم يحتضن الجراح ويحولها فرحاً
ما إن وصل الأطفال إلى المخيم، حتى تحوّلت الأزقة الضيقة إلى ساحة احتفال واحتضان، غمرتها رايات فلسطين وأصوات الأهالي.
المبادرة التي جاءت بعنوان “بين غزة والمخيم… مقاومة”، لم تكن فعالية عابرة، بل حالة وطنية كاملة عاشها أبناء المخيم. فقد رأى الأهالي في استقبال الأطفال واجباً أخلاقياً ووطنياً يعبّر عن وحدة المصير بين غزة والشتات، وعن الشعور المتجذّر بأن جراح غزة هي جراح كل الفلسطينيين أينما كانوا.
منذ الصباح، اكتسى المخيم بثوبه الفلسطيني؛ الأعلام ارتفعت على الأسطح، صور الشهداء زينت الجدران، والأغاني الوطنية انطلقت من مكبرات الصوت. النساء جهزن الحلوى، والرجال وقفوا على المداخل، فيما اجتمع الصغار بلهفة ينتظرون أقرانهم القادمين من تحت القصف.
ومع ظهور موكب الأطفال، دوّى صوت الزغاريد وارتفعت الهتافات، وحُمل الأطفال على الأكتاف وسط تصفيق حار. كان مشهداً جمع بين الوجع والحب، بين جروح الحرب وبين دفء المخيم الذي يعرف معنى الفقد منذ عقود.
فعاليات وطنية وترفيهية: يوم مليء بالابتسامات والأمل
ولإظهار أن التضامن فعل حيّ، أقيم غداء تكريمي كبير في شارع الشهداء، أعدّته بيوت المخيم بمبادرة أهلية كاملة. بعدها توجه الأطفال ومرافقوهم إلى نادي القدس حيث شاركوا في أنشطة فنية وترفيهية، فكانت لحظات فرح نادرة تقاوم ظلال الحرب الثقيلة. وفي ختام اليوم، زار الأطفال المقبرة الجديدة وقرأوا الفاتحة على أرواح شهداء معركة الإسناد.
خلال الفعالية، برزت كلمات مؤثرة عبّرت عن عمق اللحظة. فقد أكد فتحي أبو علي، نائب مسؤول الإعلام في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، على وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، موجهاً التحية للشهداء في فلسطين ولبنان واليمن ولأطفال غزة الذين حملوا جراحهم بصبر غير عادي.
كما اختصر الطفل عمر، الناجي الوحيد من عائلته، مأساة غزة بقوله إنه فقد جميع أفراد أسرته تحت القصف، لتتحول كلماته إلى صرخة ألم هزّت القلوب.
وفي كلمة مؤثرة أخرى، قالت إحدى النساء الغزّيات:
“حسّيت كأنه موكب رئيس داخل المخيم… أهل البداوي هم أهلنا. هذا الاستقبال بيرفع الراس. الشعب الفلسطيني وين ما كان هو روح واحدة. غزة شرف الأمة وصانعة رجالها.”

صمود غزة ووحدة الشعب الفلسطيني
ومن الكلمات التي لامست الحضور، كانت كلمة والد الشهيد سليمان سليمان الذي تحدث بصوت الأب المكلوم، قائلاً:
“أنتم أهلنا، يجمعنا الدم نفسه، ووجعكم هو وجع كل بيت فلسطيني من غزة حتى البداوي وكل الشتات. استُشهد ابني سليمان وهو يحلم بوطن حر، وطن يعيش فيه أطفال مثلكم بأمان.”
وأضاف:
“اليوم، وأنا أراكم هنا، أشعر أن وجع سليمان لم يذهب هدراً، وأن نوره ما زال حيًّا في قلوبكم الصغيرة التي قاومت الطائرات وخرجت إلى الحياة.”
وتابع مخاطباً الأطفال:
“يا أطفال غزة، أنتم لستم أبناء الحرب فقط… أنتم أبناء الإرادة. صمودكم يربي الإرادة، وابتسامتكم تفضح الكيان أكثر من كل الكلمات.”
كما شدد مراد عياش، أحد منسقي المبادرة، على أن مخيمات الشمال كلها من البداوي إلى نهر البارد مروراً بطرابلس، وقفت صفاً واحداً لاستقبال القافلة. وأضاف:
“اللقاء كان رمزياً لكنه مليء بالوفاء. أردنا أن نقول لأهل غزة إنكم لستم وحدكم… قلوبنا وبيوتنا مفتوحة لكم دائماً.”
وتوجه بالشكر إلى صندوق الدكتور غسان أبو ستة على دعمه، وإلى كل من ساهم في إنجاح المبادرة التي وصفها بالحلم الكبير.
وبين الأعلام التي لم تهدأ، والدموع التي لم تُخفَ، والابتسامات التي حاولت مقاومة الألم… استعاد مخيم البداوي شيئاً من روحه الفلسطينية الأصيلة، روح المخيم الذي يجيد تحويل الجراح إلى قوة، واليُتم إلى وحدة، والغربة إلى وطن مؤقت لا يتخلى عن أحد.
