المجتمع العربي في الداخل المحتل (48): بين التهميش والدور المطلوب

الكاتباياد الحسن

المجتمع العربي في الداخل المحتل (48): بين التهميش والدور المطلوب

يمثّل الفلسطينيون في الداخل المحتل عام 1948 إحدى أهم حلقات البقاء والصمود في مسار القضية الفلسطينية. فعلى الرغم من عقود من سياسات الأسرلة والقمع والتمييز، ظلّ هذا المجتمع محافظًا على هويته الوطنية ومتمسكًا بانتمائه العربي الأصيل. ومع اشتداد الهجمة الصهيونية على الضفة الغربية وقطاع غزة، برز دور هذا المجتمع بصورة أوضح، ليعيد التأكيد على أنّ فلسطين شعب واحد، مهما حاول الاحتلال تقسيم الجغرافيا وتقطيع الأوصال.

أولًا: الدور السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعرب الفلسطينيين داخل الداخل المحتل

أدّى المجتمع العربي في الداخل المحتل دورًا مركزيًا في كبح التطرف الصهيوني من الداخل، عبر المشاركة في النضال السياسي، وتثبيت قضايا المساواة والحقوق المدنية، والدفاع عن الهوية الفلسطينية في مواجهة سياسات الطمس.
اجتماعيًا، شكّلوا شبكة حماية للهوية العربية من خلال المدارس الأهلية، والمراكز الثقافية، والحركات الشبابية التي حافظت على اللغة والتراث والانتماء.
اقتصاديًا، رغم سياسات الإقصاء وحرمان البلدات العربية من الميزانيات، استطاع الفلسطينيون في الداخل تأسيس اقتصاد صمود يقوم على الأعمال الصغيرة، والاعتماد الذاتي، والمهنيين العرب الذين باتوا جزءًا أساسيًا من سوق العمل رغم التمييز الهيكلي.

ثانيًا: التهميش ومحاولات الأسرلة ونزع المجتمع العربي عن محيطه القومي

عملت المؤسسة الصهيونية منذ قيامها على تنفيذ مشروع الأسرلة، بهدف خلق “عربي جديد” منقطع عن جذوره القومية، مقطوع الصلة بفلسطينيي الضفة وغزة والعالم العربي، ومندمج في الدولة على أساس الطاعة السياسية.
تجلّت الأسرلة في:

فرض مناهج تعليمية محرّفة تمحو الرواية الفلسطينية.

ضرب الحركات السياسية الوطنية وتجريم الرموز العربية.

تجزئة المجتمع العربي إلى طوائف وقوميات لضرب وحدته.

تعميق التمييز في العمل والإسكان والبنى التحتية لدفع الفلسطينيين إلى البحث عن “الاندماج القسري” كخيار للبقاء.

ورغم كل ذلك، بقي المجتمع العربي كتلة وطنية واحدة، ترفض الذوبان في المشروع الصهيوني وتتمسك بعروبتها.

ثالثًا: مقاطعة الانتخابات والعمل السياسي داخل دولة عنصرية تمارس الإبادة والتهجير

مع انكشاف الوجه الحقيقي للمؤسسة الصهيونية، وازدياد الجرائم ضد أهل غزة والضفة، تصاعدت دعوات في الداخل المحتل لمقاطعة المشاركة السياسية داخل منظومة سنّت قوانين تُشرعن الفصل العنصري، وتحمي المستوطنين، وتغطي جرائم الحرب والإبادة.
بات واضحًا لقطاعات واسعة من المجتمع العربي أن البرلمان الصهيوني ليس ساحة نضال بل أداة تجميل لوجه الاحتلال.
هذه المقاطعة ليست انسحابًا من العمل الوطني، بل هي موقف أخلاقي بأن لا شرعية لمؤسسة تبني قوتها على دم الشعب الفلسطيني.

رابعًا: نحو عصيان مدني نصرة للضفة وغزة

مع تصاعد الجرائم في غزة وتغوّل المستوطنين في الضفة، برزت أصوات في الداخل تطالب بالانتقال من الاحتجاج التقليدي إلى العصيان المدني المنظّم، بما يشمل:

إيقاف العمل في المرافق الحيوية.

تعطيل الحركة الاقتصادية.

الامتناع عن دفع الضرائب.

تنظيم إضرابات عامة متواصلة.

رفض التعامل مع الأجهزة الأمنية.

العصيان المدني يمثل لحظة وعي، ورسالة بأن الفلسطينيين في الداخل ليسوا جزءًا من آلة القمع، وإنما جزء من الشعب المقهور الذي يُذبح يوميًا.

خامسًا: دعوة صادقة لأفراد الجيش والأجهزة الأمنية من أبناء المجتمع العربي

توجّه شرائح واسعة من المجتمع العربي، إضافة إلى شخصيات وطنية وحقوقية، نداءً واضحًا وصريحًا لكل من تورّط في الخدمة العسكرية أو الأمنية داخل منظومة الاحتلال، وخاصة أولئك من أصول عربية، أن يتوقفوا فورًا عن دعم آلة القمع التي تقتل أبناء شعبهم في غزة والضفة.
فالخدمة في جيش يشارك في الإبادة والتهجير تعني المشاركة في الظلم، ولا يمكن لأي تبرير اقتصادي أو اجتماعي أن يقف فوق حقّ الشعب في الحياة.

إنّ التخلي عن هذه المؤسسات ليس فقط موقفًا أخلاقيًا، بل خطوة شجاعة تحمي الفرد من العار، وتحمي المجتمع العربي من استخدامه كأداة لشرعنة الاحتلال.

إن المجتمع العربي في الداخل المحتل يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة:
إمّا أن يواصل دوره الوطني في نصرة قضيته والتمسّك بهويته،
وإمّا أن يترك الاحتلال يسلبه ذاته ويستخدمه ضدّ أبناء شعبه.

  1. لكنّ التجارب والانتفاضات السابقة أثبتت أن هذا المجتمع، رغم كل ما يواجهه من تضييق، سيظلّ ركنًا أساسيًا في مشروع التحرر الفلسطيني، وسيبقى شوكة في حلق الاحتلال، مهما طال الزمن أو اشتدّ القمع.

موضوعات ذات صلة