بعد عام كامل على سقوط النظام في سوريا، ما تزال الأسئلة الكبرى نفسها تُطرح في المخيمات الفلسطينية. فالتغيير الذي ظنّه بعضهم سيكون فوريًا وعاصفًا بدا أبطأ بكثير مما حلمت به القلوب الخارجة لتوّها من تحت ركام الحرب والدمار. وهكذا بقيت العديد من الأسئلة معلّقة في هواء اليرموك وحندرات ودرعا وبقية المخيمات: ماذا عن فلسطينيي سوريا؟ وهل تغيّرت حياتهم فعلًا بعد أشهر طويلة من الوعود والجولات والتصريحات؟
سقطت السلطة التي ارتبطت لعقود بتفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، لكن السياسات التي همّشتهم ـ أو ما تبقى منها ـ لم تسقط بالسرعة التي توقعها بعضهم. تغيّرت خرائط القوة، لكن خرائط المعاناة ظلّت على حالها تقريبًا: مخيمات مهدّمة، اقتصاد هشّ يقوم على البقاء، غياب خطط إعمار واضحة، أزمة ثقة مع المؤسسات، وغموض قانوني يوازي في خطورته دمار الحجر. وحتى اليوم لم يلمس الفلسطيني تحوّلًا جذريًا بحجم المأساة التي عاشها.
الجهة التي كان يُنتظر منها أن تقود مرحلة جديدة في علاقة الدولة مع الفلسطينيين ـ الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب بوصفها الممثل الرسمي للدولة السورية في هذا الملف ـ وجدت نفسها أمام مسؤوليات تاريخية. فالمجتمع الفلسطيني عاش في سوريا سبعة عقود متواصلة، وكان القانون 260 لعام 1956 واضحًا في معاملته معاملة المواطن السوري في الحقوق المدنية والاجتماعية. ومع ذلك، مرّ العام الأول من دون أن تتبلور رؤية واضحة تعيد لهذا القانون روحه أو تعالج التشوّهات التي لحقت به، خاصة في عهدي الأسد الأب والابن.
تولّد شعور لدى اللاجئ الفلسطيني في سوريا أن كل شيء في البلد قابل للتغيير سوى منظومة الأونروا الغارقة في الفساد والمحسوبية منذ أيام النظام السابق.
وفي المخيمات المدمرة، وخصوصًا اليرموك، لم تتجاوز الزيارات والجولات حدود التقاط الصور. فالدمار ما يزال في مكانه، والبيوت غير الآمنة تهدد حياة السكان، وقد سقط أحد المباني فعلًا. والأخطر من ذلك أن لجنة “مَن في حكمهم” التي شكّلتها الحكومة لدراسة الوضع القانوني للفلسطينيين من حملة الوثائق أو الوضعيات الخاصة، أنهت أعمالها بصمت: بلا نتائج، بلا تقرير، بلا توضيح. وهذا الصمت لا يمكن التقليل من خطورته، لأن مستقبل التملّك العقاري، والمعاملات الرسمية، والتعليم والصحة والسكن مرتبط مباشرة بمخرجات تلك اللجنة التي بقيت طي الكتمان حتى الآن.
ولا يقف الغموض عند حدود القانون. فملف المفقودين والمعتقلين، وهو الجرح الأكثر عمقًا في الذاكرة الفلسطينية السورية، بقي في مكانه من دون أي تقدّم يُذكر. تتكرر حملات جمع البيانات، وتُطلب الوثائق ذاتها كل شهرين أو ثلاثة، لكن بلا إعلان نتائج، ولا كشف مصائر، ولا خطوات جدية توحي بأن ثمة إرادة حقيقية لمعالجة هذا الألم الطويل. ومع كل جولة جديدة، يتسع شعور الأهالي بأن جراحهم تُفتح بلا معنى، وبلا وعد بعدالة ناجزة أو جبر ضرر يليق بما تحمّلوه.
وفوق هذا كله، ما تزال ظاهرة المخدرات تتفشّى في بعض المخيمات، وقد تسببت بأزمة كادت تعصف بمخيم النيرب. ويتجاور ذلك مع انتشار المياه الملوّثة في الأزقة المهملة. والمراهقون أول الضحايا، والسلوكيات الإجرامية تزداد، والمروّجون معروفون بالاسم في بعض المناطق. ومع ذلك، تظل الاستجابة الرسمية موسمية ومجزّأة لا ترقى إلى حجم الخطر الذي يهدد البنية الاجتماعية وأمن الشباب.
وفي مقابل ضعف أداء الهيئة، لم يكن وضع الأونروا أفضل. فالمساعدات النقدية التي يعتمد عليها 96% من الفلسطينيين توقفت منذ منتصف 2024 من دون أي إعلان واضح عن موعد استئنافها، في حين اقتصرت مشاريع الترميم على عشرات المنازل في مخيمات دُمّرت فيها آلاف البيوت.
تولّد شعور لدى اللاجئ الفلسطيني في سوريا أن كل شيء في البلد قابل للتغيير سوى منظومة الأونروا الغارقة في الفساد والمحسوبية منذ أيام النظام السابق.
بدا المشهد كمن يقدّم “إبرة مسكّن” إلى جسد يحتضر. والأسوأ أن الوكالة لم تقدّم بيانات شفافة حول معايير الاستهداف لبرامجها ولا قوائم المستفيدين، ولا آليات الاعتراض، ما عمّق الفجوة بينها وبين الناس، وأدى إلى حالة غضب ظهرت في الاحتجاجات داخل سوريا وخارجها، وخصوصًا في لبنان.
أما الفصائل الفلسطينية، فقد كان سقوط النظام فرصةً نادرة لمراجعة الذات. لكنها اختارت طريقًا آخر: إعادة تدوير الوجوه بدل مراجعة السياسات. تأسيس جمعيات “مدنية” بواجهات خيرية لاستعادة النفوذ بدل مواجهة الأسئلة الحقيقية حول غيابها عن المجتمع. تسييس المساعدات. تغييب الفلسطينيين في سوريا عن منصّات الحوار الوطني. ولذلك بقيت نظرة المخيمات إلى الفصائل محمّلة بانعدام الثقة، مع اعتقاد راسخ بأنها جزء من المشكلة لا جزءًا من الحل.
ولم يكن أداء دائرة شؤون اللاجئين التابعة لمنظمة التحرير والسفارة الفلسطينية في دمشق أفضل حالًا. فالمساعدات التي أعلنت عنها خلال العام الماضي وُزعت من دون معايير واضحة، ومن دون قوائم منشورة، ومن دون آليات اعتراض. بدا الأمر وكأن حقوق الناس تُدار عبر رسائل نصية تصل إلى بعضهم وتغيب عن آخرين بلا تفسير ولا شفافية. ثم جاء مشروع ترميم مقبرة الشهداء ليفجّر غضب الأهالي لأنه بدأ ونُفّذ من دون مراعاة أولويات المجتمع الفلسطيني واحتياجاته.
هل سيبقى الفلسطيني رهينة السياسات القديمة، أم يبدأ أخيرًا مرحلة يصنع فيها الناس لا المؤسسات وحدها مستقبلهم؟
وإذا كان وضع الفلسطيني داخل سوريا يرزح تحت هذا الكم من الارتباكات، فإن فلسطينيي سوريا في المنافي القريبة يعيشون نسخًا أخرى من المأساة: هشاشة قانونية وحرمان في لبنان، فقر وتشتت في تركيا، معاناة مركّبة في مصر، وغياب كامل للتمثيل في الأردن. والاحتجاجات على ذلك تتكرر في كل مكان، كصرخة مجتمع يشعر بأن أحدًا لا يسمعه.
وفي مقابل هذا المشهد القاتم، تبرز نافذة صغيرة للعدالة عبر المحاكمات الجارية في ألمانيا والسويد ضد متورطين في الجرائم التي ارتُكبت في مخيم اليرموك. هي خطوة مهمة ضد الإفلات من العقاب، لكنها لا تكفي وحدها؛ فالعدالة الحقيقية تحتاج إلى إعادة بناء حياة الضحايا، وإطلاق مسار عدالة انتقالية داخل البلاد يعترف بالانتهاكات ويعالج آثارها.
وقد يبدو هذا المقال جردة حساب مليئة بالنقد، وهو كذلك. لكن قول الحقيقة لا يعني تجاهل ما تحقق. فالخلاص من نظام مارس قمعًا غير مسبوق، وفتح الباب أمام حرية الحركة والتعبير والنقد، إنجاز لا يمكن التقليل من قيمته. والبلد ما يزال يلملم جراحه العميقة ويبحث عن توازن جديد، وهذا مفهوم بعد انهيار سلطة امتدت لأكثر من نصف قرن. لكن هذا لا يلغي ضرورة الإشارة إلى مكامن التقصير والخلل، لأن العيش بكرامة صنو الحرية، ولأن الناس في المخيمات وخارجها يريدون أن ينجح كل مسؤول، لكنهم يريدون أيضًا حقهم الطبيعي في أن يسألوا ويراقبوا ويحاسبوا. فهذا هو سلوك كل حرّ ومخلص لهذا البلد، وكل حريص على أن تكون المرحلة الجديدة بداية حقيقية لا استمرارًا بوجه آخر.
بعد عام على السقوط، تتضح ثلاث حقائق:
السلطة سقطت، لكن سياسات التهميش لم تسقط بالكامل.
الجهات “المسؤولة” تعددت، لكن اللاجئ بقي الحلقة الأضعف.
ومع ذلك، فقد وُلد وعي رقابي جديد يرفض الصمت والوصاية، ويصرّ على أن تكون الحقوق واضحة، والقرارات شفافة، والمساءلة ممكنة.
السؤال اليوم لم يعد: ماذا عن فلسطينيي سوريا بعد عام على سقوط النظام؟
بل: هل سيبقى الفلسطيني رهينة السياسات القديمة، أم يبدأ أخيرًا مرحلة يصنع فيها الناس لا المؤسسات وحدها مستقبلهم؟
هذه الإجابة لن تأتي من بيانات رسمية ولا من شعارات، بل من واقع جديد يُبنى لبنةً لبنة: من بيت يُعاد بناؤه، من حق يُستعاد، من شارع يستعيد نبضه، ومن مجتمع قرر أنه لن يُدار في الظل بعد اليوم.