| | |

مخيمٌ الشهداء يكتب حكايته بين الصمود والذاكرة

خاص – صدى الشتات

على تلةٍ صغيرة شرقي مدينة صور، يقف مخيم البرج الشمالي شاهداً على سنوات من الوجع والصمود، هنا لا تُقاس الحياة بما يملكه الفلسطيني، بل بما فقده وما زال يتمسك بأحلامه. في هذا المكان، يولد الأطفال على وعدٍ قديم بالعودة، وتكبر الأمهات على صبرٍ يشبه الحجارة، فيما يصحو المخيم كل يوم على ذاكرةٍ لا تهرم، وجرحٍ يشهد على تاريخٍ صنعه اللاجئون بدمهم.

مخيم الشهداء …تاريخ البطولات

نشأ مخيم البرج الشمالي عام 1955 ليحتضن موجات اللاجئين الفلسطينيين الذين قدموا من عنجر وسهل الحولة، بعد تهجيرهم من أرضهم عام 1948.

بُني المخيم على مساحة محدودة أصبحت مع الوقت موطناً لآلاف العائلات الباحثة عن مأوى وحياة، ومع مرور السنين، لم يكن المخيم مجرد تجمع سكني، بل تحول إلى مجتمع كامل يحمل ذاكرة وطنٍ مسلوب.

يبلغ عدد سكان المخيم المسجلين نحو تسعة عشر ألفاً وخمسمائة لاجئ من عام 1948، إضافة إلى فئات غير مسجلة أو فاقدة للأوراق الثبوتية.

وفي عام 1994، حصل ما يقارب ثلاثة آلاف شخص من أبناء المخيم على الجنسية اللبنانية، ما وفر لهم قدراً من الحقوق المدنية، دون أن يلغي انتماءهم الأول والأعمق لوطنهم الأم.

لا يمكن الحديث عن المخيم دون الوقوف عند عام 1982، العام الذي صُبغ اسمه بالدم ، خلال الاجتياح الإسرائيلي، خاض شباب المخيم معارك بطولية وتمكنوا من أسر جنود إسرائيليين، لكن الطائرات الحربية ردّت بقصف الملاجئ بالقنابل الفوسفورية، حيث إرتقى آنذاك نحو مئة وخمسين شهيداً من النساء والأطفال والشيوخ، وتحول ملجأ الحولة إلى مقبرة جماعية ما زالت رائحته تلتصق بالذاكرة، ومنذ ذلك اليوم، حمل المخيم اسم “مخيم الشهداء”، تخليداً لأرواح الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكرامتهم.

الوضع السكني والاجتماعي

تزدحم المنازل الصغيرة فوق بعضها في مساحة ضيقة تعاني من الرطوبة والتصدعات وسوء التهوية.
بعد عدوان تموز 2006 وما تبعه من منع إدخال مواد البناء، تدهورت حالة المساكن أكثر فأكثر، فبقي الكثير منها غير صالح لعيشٍ كريم، وبرغم ذلك، يستمر الأهالي في ترميم بيوتهم بما توفر، كمن يرمم جزءاً من روحه كي يبقى قادراً على الصمود.

الخدمات الصحية

تعتمد الحياة الصحية في المخيم بشكل رئيسي على عيادة الأونروا التي يعمل فيها تسعة عشر موظفاً، إلا أن الضغط السكاني ونقص الأدوية يجعل الخدمات غير كافية لتلبية احتياجات الناس.

ويضطر كثيرون إلى إجراء فحوصات في مختبرات خارج المخيم، بينما يعتمد آخرون على مستوصف البرج الشمالي والعيادات الخاصة، في محاولة لتجاوز ثغرات النظام الصحي القائم.

التعليم

يضم المخيم أربع مدارس تابعة للأونروا: فلسطين وصرفند وجباليا وبيت لحم، وتقع مدرستا صرفند وجباليا داخل حدود المخيم، فيما تقع المدرستان في محيطه داخل بلدة البرج الشمالي، وبرغم الظروف الصعبة التي تحيط بالطلاب، تبقى هذه المدارس بمثابة نافذة صغيرة يطل من خلالها الأطفال على المستقبل، ويحملون معها حلمهم بالعلم كوسيلة للنجاة.

الوضع الاقتصادي

تفرض البطالة والفقر ثقلهما على حياة السكان، حيث تغيب فرص العمل وتنخفض الأجور، ويتجه بعض الأهالي إلى الأعمال الزراعية والموسمية بأجور زهيدة.

ويقول فؤاد الحسين، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إن مخيم البرج الشمالي يُعد من أفقر المخيمات في لبنان، استناداً إلى دراسة ميدانية أجرتها الأونروا مع الجامعة الأميركية في بيروت، وأظهرت ارتفاع معدلات البطالة والأمراض المزمنة والوراثية.

ويضيف الحسين أن هذه التحديات تتطلب من الأونروا توفير تمويل كافٍ لتحسين خدماتها في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان .

يبقى مخيم البرج الشمالي أكثر من مكان، إنه ذاكرة حيّة لجراح الفلسطينيين وصمودهم في وجه القهر.

ورغم الفقر والحصار وغياب الخدمات، يستمر سكانه في بناء معنى للحياة داخل حدود ضيقة، متمسكين بالأمل .


هنا، في البرج الشمالي لازال المخيم يحمل الاصرار والحنين للوطن، في قصة تُروى للأجيال، ليس عن الألم فقط، بل عن شعبٍ لم يتخلَّ يوماً عن حقه في العيش بكرامة.

موضوعات ذات صلة