حين يغرد الممثل عن شعبه خارج السرب

الكاتبإياد الحسن

 

في الوقت الذي تعيش فيه المخيمات الفلسطينية في لبنان واحدة من أكثر المراحل ضيقًا وتهميشًا، خرج الممثل الخاص للرئيس محمود عباس في لبنان، ياسر عباس، بلقاء مثير للجدل مع مديرة «الأونروا» في لبنان دورثي كلاوس، موجّهًا لها التهنئة بتجديد التفويض، ومعتبرًا الحراك الشعبي في المخيمات ضد سياساتها «أعمالًا مشبوهة».

هذا الوصف، الآتي من مسؤول لا يحمل صفة رسمية تخوّله الحديث باسم الشعب الفلسطيني أو تمثيل اللاجئين، أثار موجة استياء واسعة داخل المخيمات. فالرجل ليس سفيرًا ولا مفوضًا بصفة دبلوماسية، في وقت يلفّ غياب السفير الفلسطيني عن المشهد علامات استفهام حول دوره المفترض في الدفاع عن حقوق اللاجئين والمتابعة مع الأونروا، وترك الساحة مفتوحة أمام أشخاص غير معنيين بإدارة هذا الملف الحساس.

رغم أن التمثيل الدبلوماسي الرسمي محصور بالسفير والمؤسسات المعنية، إلا أن ياسر عباس ظهر وكأنه يتحدّث باسم الفلسطينيين جميعًا، متجاهلًا أوجاع المخيمات ومطالبها، ومعلنًا دعمه لسياسات الأونروا التي يعتبرها الأهالي أصل الأزمة.

مصادر خاصة لـ«صدى الشتات» كشفت عن صفقة محاصصة جرت خلال اللقاء، تمّ خلالها التداول بقرارات تخصّ قطاع التربية، وعلى رأسها قضية دمج الصفوف، والتي وُصفت بأنها «اتفاق تمّ اليوم على حساب أبناء المخيمات».

كما أكدت المصادر ذاتها أن هناك توجّهًا لدى ياسر محمود عباس لدعم تجديد ولاية دورثي كلاوس في الأونروا، رغم المعارضة الشعبية الواسعة، ورغم الدعوات المتكررة لمراجعة سياسات الوكالة بدل ترقيتها أو منحها شرعية جديدة.

هل صار الاعتراض على الدواء والاستشفاء عملاً مشبوهًا؟

ما أثار غضب الشارع أكثر هو تكرار ياسر عباس لعبارة:

> «ضرورة وقف الحملات الشعبوية المغرضة التي يدبّرها أصحاب الأهداف المشبوهة ضد وكالة الأونروا في لبنان».

السؤال الذي يطرحه المراقبون: هل أصبح الاعتراض على حرمان المرضى من الدواء، وتقليص خدمات الاستشفاء، ودمج الصفوف، عملاً مشبوهًا؟

هل تحولت معاناة الناس اليومية إلى «شعبوية»؟ وهل المطالبة بحقوق أساسية باتت تُقرأ كتهديد لمصالح جهات نافذة؟

بين موقف الفصائل وموقف ابن الرئيس

المفارقة الصارخة تظهر في مقارنة بسيطة:

اللقاء التشاوري الفلسطيني، الذي يضم معظم الفصائل والقوى الوطنية، أعلن:

> «ندعو لإحالة دورثي كلاوس لتحقيق دولي عاجل».

في المقابل، خرج ياسر عباس—نجل الرئيس—معلنًا دعمه العلني لمديرة الأونروا، ومستنكرًا ما سمّاه الحملات «المشبوهة» ضدها.

هنا يبرز السؤال الأكبر:
كيف يتقدّم شخص بلا صفة رسمية ليحلّ مكان السفير الغائب، ويتحدث باسم شعب كامل، بينما مؤسسات التمثيل الرسمية صامتة؟

ما جرى يعكس فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين المخيمات وبين من يُفترض أنهم يمثلونها.
فحين يختار المسؤول الوقوف إلى جانب من يُحمّله الناس مسؤولية تدهور أوضاعهم، ويتهم أبناء المخيمات بـ«الأهداف المشبوهة»، فهو في الحقيقة يغرد خارج السرب.
يغرد من مساحة مختلفة تمامًا عن واقع اللاجئين الذين ينتظرون الدواء لا البيانات، والمستشفى لا الشعارات، والمدرسة الكريمة لا الصفوف المزدحمة.

الأحداث الأخيرة لا تُقرأ فقط كموقف فردي، بل كإشارة خطيرة إلى توجّه سياسي يتعامى عن وجع الناس، ويعيد إنتاج سياسة تحميل الضحية مسؤولية معاناتها.

وما لم تُستعاد أدوار المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها السفارة، فإن سؤال التمثيل سيبقى معلّقًا:
من الذي يتحدث باسم الفلسطينيين في لبنان… ومن الذي يتحدث عنهم فقط؟

موضوعات ذات صلة