| | |

مخيم البرج الشمالي.. حياة بين الأسلاك العشوائية والمباني المتصدعة

مصطفى الحسين – صدى الشتات

يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان واحدة من أصعب المراحل في تاريخ لجوئهم الممتد منذ أكثر من سبعة عقود، في ظل تدهور غير مسبوق في الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

قد انعكست الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد بشكل مباشر وقاسٍ على المخيمات الفلسطينية كافة، لتتحوّل حياة اللاجئين إلى صراع يومي مع الفقر والبطالة وغياب الاستقرار. ويُعد مخيم البرج الشمالي، الواقع جنوب لبنان، مثالاً حيّاً يجسّد حجم هذه المعاناة.

مخيم البرج الشمالي: صورة مصغّرة عن الواقع العام

داخل مخيم البرج الشمالي، تتجلّى ملامح الأزمة التي تعيشها المخيمات الفلسطينية في لبنان. فالاكتظاظ السكاني يفرض ضغطاً كبيراً على المساكن المتواضعة، حيث تعيش عدة عائلات أحياناً في منازل ضيقة تفتقر إلى شروط السلامة والراحة.

الأزقة الضيقة، والأسلاك الكهربائية العشوائية، والمباني المتصدعة باتت مشهداً يومياً يعكس سنوات طويلة من الإهمال وغياب مشاريع التنمية.

ويشكّل ارتفاع الأسعار عبئاً ثقيلاً على سكان المخيم، الذين يعتمد معظمهم على مداخيل محدودة أو مساعدات متقطعة.

فقد تضاعفت أسعار المواد الغذائية الأساسية، فيما تراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، ما دفع العديد من العائلات إلى تقليص وجباتها اليومية أو الاستغناء عن أصناف أساسية من غذائها.

ويؤكد سكان المخيم أن ترتيب الأولويات بات يقتصر على تأمين “الأهم فالأهم”، في محاولة للتكيّف مع واقع معيشي قاسٍ.

كما يعاني مخيم البرج الشمالي من تراجع حاد في الخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه، حيث تشهد انقطاعات متكررة.

ومع ارتفاع كلفة الاشتراك بالمولدات الخاصة وشراء المياه، تحوّلت هذه الخدمات إلى عبء مالي يفوق قدرة كثير من العائلات على تحمّله.

أزمة اقتصادية تضرب فرص العمل

اقتصادياً، يعكس مخيم البرج الشمالي واقع البطالة المرتفعة في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

فالقيود القانونية المفروضة على عمل اللاجئين لا تزال تشكّل عائقاً أساسياً أمام حصولهم على فرص عمل مستقرة، ما يدفع الكثيرين إلى العمل في مهن مؤقتة أو بأجور متدنية.

الأعمال اليومية والموسمية، التي كانت تشكّل مصدر دخل أساسياً للعديد من العائلات في المخيم، تراجعت بشكل كبير مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.

ومع اشتداد المنافسة في سوق العمل، بات تأمين دخل ثابت أمراً بالغ الصعوبة، ما دفع بعض الشباب إلى التفكير بالهجرة غير النظامية، فيما وجد آخرون أنفسهم عالقين في دائرة الفقر دون أفق واضح.

تداعيات اجتماعية ونفسية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب المادي فقط، بل انعكست أيضاً على النسيج الاجتماعي داخل مخيم البرج الشمالي.

فقد تراجع التضامن الاجتماعي، الذي كان يشكّل شبكة أمان غير رسمية، مع ازدياد أعداد المحتاجين وندرة الموارد.

وتشير شهادات من داخل المخيم إلى أن العائلات التي كانت قادرة سابقاً على مساعدة غيرها باتت اليوم بالكاد تؤمّن احتياجاتها الأساسية.

كما يخيّم القلق وانعدام الأمان الاقتصادي على حياة اللاجئين، في ظل غياب أي حلول جذرية أو سياسات واضحة لتحسين أوضاعهم. وينعكس هذا الواقع ضغوطاً نفسية متزايدة داخل الأسر، ويؤثر بشكل مباشر على استقرار المجتمع داخل المخيم.

نداءات متجددة

في ظل هذا المشهد القاتم، تتصاعد الدعوات لتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، من خلال رفع القيود المفروضة على العمل، وتعزيز برامج الدعم، وتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.

ويؤكد ناشطون في مخيم البرج الشمالي أن الحلول المؤقتة لم تعد كافية، وأن المطلوب رؤية شاملة تضمن الكرامة الإنسانية وحقوق اللاجئين.

ورغم قسوة الواقع، لا يزال اللاجئون الفلسطينيون في مخيم البرج الشمالي متمسكين بالصمود، معتبرين أن معاناتهم اليومية لن تنسيهم قضيتهم الأساسية وحقهم في العودة، وإن طال انتظار الحل.

لمشاهدة التقرير عبر الرابط

 

موضوعات ذات صلة