حسين منصور – البقاع
عند مدخل مخيم الجليل في بعلبك، لا تمرّ حركة الإسعاف مروراً عادياً. سيارات إسعاف مصطفّة، محركاتها صامتة لكن جاهزيتها كاملة، ومسعفون متأهبون داخل مركزهم، أعينهم على الهاتف وأيديهم على المعدات، بانتظار أي نداء استغاثة. هنا، حيث تختلط الحاجة بالإرادة، يبرز فريق الإسعاف الأولي في جمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية كأحد أعمدة الأمان الصحي لأهالي المخيم وبعلبك ومحيطها.
على امتداد السنوات الماضية، استطاع الفريق أن يحفر اسمه في وجدان الناس، ليس فقط كجهة إسعافية، بل كعنوان ثقة وأمان. ثناء واسع يردده الأهالي في المخيم والمدينة، تقديراً لدوره الحيوي في إنقاذ الأرواح، والاستجابة السريعة في أحلك الظروف، خصوصاً في ظل التحديات الصحية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة.

من سيارة واحدة إلى منظومة إسعافية متكاملة
يقول عطا منصور، مسؤول فريق إسعاف الشفاء في بعلبك، إن الفريق تأسس عام 2018 بإمكانات متواضعة، “بدأنا بسيارة إسعاف واحدة وعشرة متطوعين فقط، لكن الإيمان بالرسالة كان أكبر من الإمكانات”.
اليوم، وبعد سنوات من العمل المتواصل، يضم الفريق نحو 45 مسعفاً متطوعاً، ويشغّل أربع سيارات إسعاف مجهزة، تخدم المخيم وبعلبك والقرى المجاورة.
ويشرح منصور أن مهام الفريق لا تقتصر على نقل المرضى إلى المستشفيات، بل تشمل تقديم الرعاية الطبية أثناء النقل، والتدخل العاجل في حالات الطوارئ والأزمات، إضافة إلى نقل الموتى، وتوفير أجهزة التنفس للمرضى في منازلهم ومتابعة حالاتهم الصحية بشكل مستمر.

ويكشف أن الجمعية تعمل حالياً على إطلاق فريق خاص من المسعفات في القريب العاجل، إلى جانب التحضير لتأسيس فريق دفاع مدني في المرحلة المقبلة، استجابةً لمتطلبات المرحلة القادمة.
في قلب الخطر… خلال الحرب
الدور الأبرز لفريق الشفاء، بحسب منصور، كان خلال الحرب الأخيرة على لبنان، حيث واجه المسعفون أخطر الظروف. “نقلنا مئات الإصابات إلى المستشفيات، عملنا ميدانياً تحت القصف، وانتشلنا الشهداء، وشاركنا في رفع الأنقاض”، يقولها بنبرة تختصر حجم التضحيات التي قُدّمت، وتكشف جانباً من العمل الصامت الذي لا يظهر في العناوين.
إصابة لم تكسر الإرادة
من بين هؤلاء المسعفين، يبرز أدهم عطور، الذي أُصيب أثناء أدائه واجبه الإنساني خلال الحرب. عطور يؤكد أن التطوع في فريق الإسعاف كان خياراً نابعاً من قناعة داخلية: “تطوعت لأخدم أهل مخيمي والجوار. رغم إصابتي، لم يمنعني ذلك من متابعة واجبي الإنساني”.

ويضيف أن العمل التطوعي لا يقتصر على مساعدة الآخرين فحسب، بل يمنح المتطوع معنى أعمق للذات والانتماء، “نخدم أهلنا وشعبنا، وهذا شرف بحد ذاته”.
شهادات من الأهالي… الإسعاف الذي يصنع الفارق
شهادات الأهالي تؤكد أثر هذا الفريق في حياتهم اليومية. سهى كايد تروي أنها تعرضت لعارض صحي مفاجئ، “كانت استجابة فريق الشفاء سريعة جداً، ولولا هذا التدخل وتقديم الإسعافات الأولية ونقلي إلى المستشفى، لكان وضعي الصحي تدهور بشكل خطير”. وتضيف أن الفريق يستحق كل أشكال الدعم، “لولا فريق الشفاء لكان الناس في حالة أصعب”.
بدوره، يتحدث محمد صالح عن تجربة مشابهة مع ابنته، التي تعرضت لعارض صحي طارئ. “الفريق استجاب بسرعة، ونقل ابنتي إلى المستشفى وقدّم لها التدخل العاجل”، يقول، مؤكداً أن سرعة الاستجابة كانت العامل الحاسم في تجاوز الخطر.
أما خضر خليل، والد طفل حديث الولادة، فيسرد واحدة من أكثر القصص حساسية. ابنه وُلد وهو يعاني من نقص في الأوكسجين ويحتاج إلى رعاية طبية خاصة ومركزة. “تواصلنا مع فريق الشفاء لنقله إلى مستشفى يبعد نحو 50 كيلومتراً ويضم عناية فائقة”، يقول خليل، مشيداً بالمهنية العالية التي أظهرها المسعفون، “وضع ابني كان خطيراً، لكن الفريق كان على قدر المسؤولية، ونقله بأمان إلى مستشفى في شتورا”.
إنسانية مستمرة
بين الجاهزية الدائمة، والتطوع، والعمل تحت الخطر، يواصل فريق الإسعاف الأولي في جمعية الشفاء أداء دوره كخط الدفاع الأول عن صحة الناس. هو فريق لا يكتفي بالاستجابة، بل يصنع الأمل في لحظات اليأس، ويثبت أن العمل الإنساني، مهما كانت إمكاناته محدودة، قادر على إنقاذ الأرواح عندما تقوده الإرادة والمسؤولية.
لمشاهدة التقرير عبر الرابط