لم يأتِ تسريب مكالمة قديمة بين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السابق خالد مشعل والرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح من فراغ، ولا يمكن قراءته خارج سياقه الزمني والسياسي الراهن. فالتسريبات، خصوصًا تلك التي تُنتزع من أرشيف الصراعات، لا تُنشر بدافع التوثيق بقدر ما تُستخدم كسلاح سياسي في لحظات محددة، حين تعجز الأدوات الأخرى عن تحقيق الهدف.
التوقيت هو الرسالة الأولى في أي تسريب. فإعادة بث مكالمة تعود إلى عدوان 2008–2009، بعد أكثر من عقد ونصف، يطرح سؤالًا بديهيًا:ما الذي تغيّر اليوم ليُستدعى هذا التسجيل ولماذا الان؟
الإجابة الأقرب أن المقاومة الفلسطينية – رغم الحصار، والتجويع، والتشويه – ما زالت تمثّل عقبة حقيقية أمام مشاريع التصفية السياسية، وما زالت قادرة على إرباك الحسابات الإقليمية والدولية. وحين تفشل الضغوط المباشرة، يجري اللجوء إلى:
تفكيك الرواية من الداخل ، ضرب الثقة الشعبية بقيادات المقاومة، إحياء خلافات قديمة لتبدو وكأنها حقائق راهنة.
اللافت أن مضمون المكالمة بحد ذاته لا يحمل اعترافًا ولا خيانة ولا صفقة، بل حوارًا سياسيًا يعكس اختلافًا في الرؤية بين منطق “الأنظمة” ومنطق “حركات التحرر”.
لكن التسريب لا يُقاس بمضمونه، بل بطريقة توظيفه ، الرسالة المراد إيصالها ليست:
“هذا ما قيل”
بل:“انظروا… حتى حلفاؤكم كانوا يشككون بخياراتكم”
وهي محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج سردية قديمة:المقاومة تضرّ بشعبها، والمشكلة ليست الاحتلال بل أدوات الرد عليه.
من يقرأ هذا التسريب دون ربطه بتاريخ الضغط العربي على المقاومة، يقع في فخ العزل الزمني. فما جرى مع خالد مشعل ليس استثناءً، بل حلقة في سلسلة طويلة.
المثال الأوضح: حسني مبارك وأبو عمار، التاريخ يحتفظ بمشاهد موثقة – بالصوت والصورة – للرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وهو يمارس ضغطًا مباشرًا ومهينًا على الرئيس الراحل ياسر عرفات، لإجباره على التوقيع على اتفاقيات مجحفة.
في الفيديو الشهير، لم يكن مبارك وسيطًا ولا “أخًا عربيًا”، بل مفوّض ضغط، يستخدم:
الإهانة اللفظية
التهديد السياسي
العزل الإقليمي
وذلك بذريعة واحدة تتكرر دائمًا:
“هذه هي الواقعية السياسية… خذ أو اخرج من التاريخ”، النتيجة معروفة:
وقّع أبو عمار، ثم حُوصِر، ثم أُهين، ثم انتهى شهيدًا محاصرًا، دون أن ينجو لا هو ولا شعبه من الاستهداف.
ما بين عرفات ومشعل… اختلاف التجربة ووحدة الهدف، الفرق الجوهري أن حركات المقاومة اللاحقة، ومنها حماس، تعلّمت من تجربة أبو عمار. فهي تدرك أن:
التنازل لا يحمي، الصمت لا يُكافأ، الرضوخ لا يمنح الشرعية.
لذلك، حين تعجز الأنظمة عن جرّ المقاومة إلى مربع التوقيع، تنتقل إلى مربع التشويه.
والهدف الاساسي لهذا التسريب محاولة لاستخدامه كأداة كسر معنوي وفي جوهره ضرب المعنويات في لحظة اشتباك مفتوح، إرباك الحاضنة الشعبية، إظهار المقاومة كمعزولة عربيًا، لكن المفارقة أن هذه الأدوات استُهلكت. فالشعوب العربية باتت أكثر وعيًا بأن: الأنظمة التي ضغطت على عرفات هي ذاتها التي حاصرت غزة وهي نفسها التي طبّعت وموّلت العدوان.
إن استدعاء مكالمة قديمة في هذا التوقيت، لا يكشف ضعف المقاومة، بل يكشف قلق خصومها.
فمن يملك مشروعًا حيًّا لا يحتاج إلى نبش الأرشيف، ومن يثق بشرعيته لا يخشى صوتًا قديمًا.أما المقاومة، فستبقى –رغم كل التسريبات– ابنة اللحظة، لا رهينة الماضي