| | | | |

سليم عاصي… حين تتحوّل الريشة إلى فعل مقاومة ودعم إنساني

حسين منصور – البقاع

وُلد الفنان التشكيلي الفلسطيني سليم عاصي في مخيم الجليل بمدينة بعلبك اللبنانية، حيث لا تُمنح الطفولة ترف البراءة الكاملة، بل تُطعَّم منذ سنواتها الأولى بمعاني اللجوء والحرمان والحنين. في تلك البيئة، تشكّلت ملامح وعيه الوطني والإنساني، وترسّخ لديه الانتماء إلى فلسطين بوصفه انتماءً فطريًا، لا يحتاج إلى تعريف أو تبرير.

نشأ عاصي في عائلة مشبعة بحب الوطن، وكان المخيم بمساحته الضيقة وأحلامه الواسعة مدرسة أولى علّمته أن فلسطين ليست مجرد ذكرى، بل مسؤولية. هناك، بدأ شغفه بالرسم مبكرًا، مدفوعًا بدعم عائلته التي وفّرت له ما استطاعت من إمكانيات بسيطة، فكانت الجدران والدفاتر أولى مساحاته الفنية.

الريشة في مواجهة اللجوء

منذ طفولته، لم يكن الرسم بالنسبة لسليم عاصي ترفًا جماليًا، بل وسيلة تعبير عن واقعٍ قاسٍ. شارك في معارض مدرسية ونوادٍ ثقافية، وبدأ يرسم معاناة الشعب الفلسطيني: اللجوء، النكبة، التضحيات اليومية، والهوية المهددة. كان الفن بالنسبة إليه لغة بديلة عن الخطاب المباشر، تختصر الألم وتُكثّف المعنى.

وعندما انتقل لاحقًا إلى الدنمارك، لم يترك خلفه المخيم، بل حمله في أفكاره وريشته. وفي إحدى زياراته إلى لبنان عام 2016، عاد إلى المخيمات لا كزائر، بل كفنانٍ يستعيد جذوره، فرسم على جدران مخيم الجليل ثم توسّع إلى باقي المخيمات، وشارك في معارض عدة، أبرزها معرض “على الحصيرة” الذي شكّل محطة فنية وإنسانية لافتة.

المزاد… حين يصبح الفن خبزًا

لم يتوقف انتماء سليم عاصي عند حدود المخيم الذي نشأ فيه، بل اتسع ليشمل المخيمات الفلسطينية كافة، إيمانًا منه بأن الفلسطينيين في المنافي عائلة واحدة. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان عام 2019، وازدياد القيود المفروضة على اللاجئين الفلسطينيين في سوق العمل، شعر بأن الصمت لم يعد خيارًا.

من هنا، انطلقت مبادرة بيع اللوحات الفنية في مزادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليعود ريعها دعمًا مباشرًا لأهالي المخيمات. كانت المبادرة تعبيرًا عن واجب أخلاقي ووطني وديني، فالفن لم يعد معلقًا على الجدران، بل تحوّل إلى وسيلة بقاء ومساندة.

غزة… المنعطف الحاسم

شكّل العدوان على غزة، بعد أحداث السابع من أكتوبر، محطة مفصلية في حياة سليم عاصي. عندها، وضعت غزة على رأس سلّم أولوياته، متقدمة على أي شأن شخصي أو فني. تحوّلت أيامه إلى سباق مع الوقت؛ يرسم ليلًا، ويشارك نهارًا في الفعاليات والمهرجانات الداعمة لغزة في مختلف المدن الأوروبية.

جال في عواصم ومدن عديدة، عارضًا لوحاته في معارض ومزادات، وخصص ريعها كاملًا لدعم أهالي غزة. لم تكن المبادرة رمزية، بل فعلًا ملموسًا، إذ تجاوز مجموع ما بيع من أعماله خلال هذه الفعاليات 250 ألف دولار، ولا تزال المبادرة مستمرة.

تحديات وصعوبات

ورغم هذا الزخم، لم تكن الطريق معبّدة. يشير عاصي إلى أن عامل الوقت والمسافات الطويلة بين المدن الأوروبية يشكّلان تحديًا يوميًا، إلى جانب التضييق الذي تمارسه بعض السلطات الأوروبية، والانحياز الواضح للاحتلال، وصولًا إلى اتهامات جاهزة بمعاداة السامية. ومن أبرز الصعوبات أيضاً العمل منفرداً، دون إطار مؤسساتي، ما يضاعف الأعباء والمسؤوليات.

الفن… لغة تصل للجميع

يؤمن سليم عاصي بأن الفن لا يقل تأثيرًا عن الإعلام، بل يتفوق عليه أحيانًا، لأنه يخاطب الوجدان مباشرة ويصل إلى شرائح واسعة. فالرسم، وخصوصًا الكاريكاتير، قادر على تلخيص المشهد وتسليط الضوء على ما يُخفى بين السطور. وقد لمس تأثير أعماله على الجيل الناشئ، الذي بدأ يقلّد رسوماته ويعبّر عن قضاياه عبر الفن.

رسالة مفتوحة

في ختام تجربته، يختصر سليم عاصي رسالته بالقول إنه قام بواجبه أمام نفسه وشعبه وأمام الله، وبادر بالفعل قبل أن يطالب الآخرين بالمبادرة.

رسالته الأساسية هي حثّ الناس على العمل، والتطوع، وتسخير كل الإمكانيات المتاحة لنصرة الشعب الفلسطيني، والتعريف بحقيقته كشعبٍ مظلوم ومشرد، لا يزال يقاوم… حتى بالريشة.

موضوعات ذات صلة