| |

الحياة في زواريب الموت.. رحلة في وجع مخيم برج البراجنة

في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، وعلى مساحة لا تتجاوز الكيلومترين المربعين، يختنق مخيم برج البراجنة بمعاناة مركّبة؛ فبين أزقة ضيقة تلامس فيها أسلاك الكهرباء رؤوس المارة، وجدران متصدعة تهدد ساكنيها بالموت تحت الأنقاض، يعيش أكثر من 25 ألف لاجئ فلسطيني فصولاً من مأساة إنسانية تتفاقم يومياً.

ذاك الشاهد الحي على لجوءٍ طال أمده لأكثر من سبعة عقود. هنا، لا تُقاس المساحات بالأمتار، بل بحجم الصبر الذي يختزنه اللاجئ في قلبه وهو يرى سماءه محجوبة بغابة من الأسمنت والأسلاك.

من خيام اللجوء إلى “عاصمة البؤس”

​تأسس المخيم عام 1948 على يد اتحاد جمعيات الصليب الأحمر لاستقبال اللاجئين القادمين من قرى الجليل الفلسطيني (مثل كويكات، شعب، وترشيحا).

ويُعد المخيم من أكبر المخيمات في العاصمة، يقع على بعد 91 كلم من فلسطين المحتلة، وحوالي 2 كلم من مطار بيروت الدولي ، تحيط به أحياء الرمل العالي وحارة حريك وبعجور وعين السكة، وتعود تسمية المنطقة إلى “البراجنة”، وهم قوم عرب سكنوا المنطقة قديماً في عهد الأمير فخر الدين الثاني.

وفقاً الى إحصاء لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني لعام 2017 فقد تبين وجود 18351 من اللاجئين الفلسطينيين والسورين وجنسيات أخرى، فيما تشير بعض المصادر أن العدد الإجمالي الدقيق ليس معروفاً بسبب انضمام الكثير من العائلات للسكن داخل المخيم مع مرور العقود، حيث تحول المخيم إلى أكثر المناطق اكتظاظاً في بيروت، ويضم اليوم خليطاً من اللاجئين الفلسطينيين، والنازحين من سوريا، وعائلات من جنسيات أخرى، يعيشون جميعاً في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، حيث المياه الكلسية غير الصالحة للشرب والفيضانات التي تداهم البيوت شتاءً.

وحول واقع المخيم كشف علي قاسم المسؤول السياسي لحركة حماس في بيروت عن واقع كارثي يهدد مئات العائلات داخل المخيم مع وجود مئات المنازل التي باتت تحتاج إلى ترميم كلي أو جزئي، حيث يعود تاريخ بنائها إلى الخمسينات وهي مهترئة ومنتهية الصلاحية الإنشائية.

​وأكد قاسم أن العديد من العائلات تقدمت بطلبات ترميم لوكالة “الأونروا” بين عامي 2018 و2020، إلا أن سياسة “المماطلة والتسويف” حالت دون تنفيذها، وقد أدى هذا التأخير إلى وقوع كوارث فعلية، مع إنهيار أسقف عديدة فوق رؤوس ساكنيها، مما حول “المنزل” من مكان للأمان إلى مصدر للخطر الدائم.

​تداعيات الحرب الأخيرة وقرارات “الأونروا”

​ولم تتوقف المعاناة عند قدم المباني، بل زادت الحرب الأخيرة في لبنان من تصدع الجدران المنهكة أصلاً، وشدد قاسم على أن الغارات والاهتزازات أصابت المنازل القديمة بتهديدات بنيوية خطيرة.

​وفي ظل هذا الواقع، وصف قاسم توقف وكالة “الأونروا” عن استقبال طلبات الترميم منذ عام 2022 بأنه “كارثة حقيقية”، خاصة مع الارتفاع الجنوني في تكاليف البناء وضعف القدرة الشرائية للاجئين، مما يجعل من المستحيل على اللاجيء الفلسطيني تأمين مسكن آمن بجهوده الذاتية.

البنية التحتية: “خيوط العنكبوت” التي تسرق الأرواح

​تُعد مشكلة الكهرباء هي الأخطر على الإطلاق؛ حيث تتدلى آلاف الأسلاك الكهربائية بشكل عشوائي فوق رؤوس المارة، متداخلة مع أنابيب مياه الشرب في مشهد يوصف بـ “شبكة العنكبوت”.

وبحسب اللجان الشعبية، تسببت هذه العشوائية في وفاة نحو 50 شخصاً صعقاً بالكهرباء على مر السنوات، بمعدل ضحيتين سنوياً.

كما يعاني المخيم من نظام صرف صحي متهالك ومياه كلسية مالحة غير صالحة للاستهلاك البشري، مما يضاعف الأعباء المالية على السكان الذين يضطرون لشراء مياه الشرب.


خدمات لا تلبي الاحتياجات

​يشكو أهالي المخيم من تراجع حاد في خدمات وكالة “الأونروا”؛ فعيادة المخيم الوحيدة لا تعمل سوى من يوم الاثنين حتى الخميس، وهو ما لا يلبي احتياجات آلاف المرضى والمصابين بأمراض مزمنة.

وتشمل الخدمات الصحية التي تقدمها الأونروا: “توفير الرعاية الأوّلية بما فيها الرعاية الطبية والوقائية والعلاجية والخدمات الصحية للأم والطفل وخدمات تنظيم الأسرة ومشاريع تحسين الصحة البيئية والرعاية الثانوية كالاستشفاء وغيرها من خدمات الإحالة.”.

أما تعليمياً، فيواجه الطلاب مشقة يومية نتيجة عدم وجود مدرسة تابعة للأونروا داخل حدود المخيم، مما يضطرهم لقطع مسافات طويلة للالتحاق بمقاعد الدراسة.

التحديات الراهنة: صراع مع الفقر والتهميش

​يعمل معظم سكان المخيم في مهن شاقة كالبناء ، بينما تعمل النساء في مصانع الحياكة أو التنظيف لتأمين لقمة العيش.

ورغم محاولات إعادة التأهيل بتمويل دولي (أوروبي وإيطالي) لتطوير شبكات المياه والصرف الصحي، إلا أن حجم الزيادة السكانية والضغط الهائل على البنية التحتية يجعل من هذه الحلول “مسكنات” مؤقتة أمام أزمة إنسانية متجذرة بانتظار حلول سياسية واجتماعية شاملة.

حلمٌ لا يختفي في عتمة الأزقة

​ورغم أن الموت يتربص بالسكان في كل زاوية، تارةً عبر صعقة كهربائية غادرة وتارةً أخرى بمرضٍ ينهش الأجساد في ظل شح الدواء، إلا أن مخيم برج البراجنة يبقى أكثر من مجرد “مربع بؤس” في ضاحية بيروت.

إنه قصة صمود يومي، يكتبها البرج بأسلاكه العنكبوتية وأزقته المظلمة، صرخةً إنسانية تطالب بالعادلة، وذاكرةً جماعية ترفض أن تنحني، حيث أقصى أماني الساكنين هنا ليست مجرد شبكة مياه نظيفة أو سقفٍ لا يسرب الشتاء، بل هي العودة إلى ديارٍ تركوها خلفهم، وما زالت مفاتيحها معلقةً في رقابهم وفي وجدان التاريخ.

موضوعات ذات صلة