مصطفى الحسين
في أحد الأزقة الضيقة داخل مخيم البرج الشمالي، جنوب لبنان، يتوقف لاجئ فلسطيني أمام باب منزله محاولاً التقاط أنفاسه. في يده علبة دواء لم يتبقَّ فيها سوى عدد قليل من الحبوب، وعلى وجهه إرهاق لا يشبه التعب العابر. هنا، لا يُنظر إلى المرض كحالة طارئة أو استثناء، بل كجزء من حياة يومية مثقلة بالأعباء، تُضاف إلى واقع اللجوء الممتد منذ أكثر من سبعة عقود.
يعاني سكان المخيم من بيئة صحية هشّة، تتداخل فيها عوامل الاكتظاظ السكاني، وسوء البنية التحتية، وغياب الخدمات الكافية. الأزقة الضيقة، والرطوبة العالية، وضعف التهوية داخل المنازل، كلها عناصر تضغط على صحة السكان، وتحول أمراضاً يمكن السيطرة عليها إلى معاناة طويلة الأمد. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان، بات المرض عبئاً مضاعفاً، لا يقتصر على الألم الجسدي، بل يمتد ليطال الاستقرار النفسي والمعيشي للأسر.

الدواء المؤجَّل: حين يصبح العلاج قراراً صعباً
يقول مرضى في المخيم إن الحصول على الدواء لم يعد أمراً مضموناً، حتى لأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة تتطلب علاجاً دائماً. فارتفاع أسعار الأدوية، ونقص بعض الأصناف، يضع المرضى أمام خيارات قاسية: شراء جزء من العلاج وتأجيل الجزء الآخر، أو الاستغناء عنه بالكامل إلى حين توفر المال. ويشير أحد المرضى إلى أنه بات يختصر الجرعات الموصوفة له، في محاولة لإطالة أمد الدواء، رغم إدراكه للمخاطر الصحية التي قد تترتب على ذلك.

ولا تتوقف المعاناة عند حدود تأمين الدواء. فالوصول إلى العيادات أو المراكز الصحية يتطلب في كثير من الأحيان كلفة مالية وجهداً جسدياً لا يتناسبان مع الوضع الصحي للمريض، خاصة لدى كبار السن وذوي الأمراض المزمنة. وفي ظل غياب شبكات دعم كافية، يتحول الذهاب إلى الطبيب إلى قرار مؤجَّل، لا يُتخذ إلا عند تفاقم الحالة الصحية، ما يزيد من احتمالات التعقيد والعلاج المتأخر.
من جهتهم، يلفت عاملون في القطاع الصحي داخل المخيم إلى أن المرض في بيئة اللجوء لا يمكن فصله عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية العامة. فالضغط النفسي المستمر، وانعدام الاستقرار، والقلق الدائم من المستقبل، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في صحة الأفراد، وتساهم في تفاقم الأمراض المزمنة وانتشار الاضطرابات النفسية.

الصحة كحق هش: المرض بين الفقر وغياب الضمانات
في السياق الحقوقي، يبرز الحق في الصحة كأحد أكثر الحقوق هشاشة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين في لبنان. فعلى الرغم من الاعتراف بهذا الحق في المواثيق الدولية، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع يبقى محدوداً، في ظل تعقيدات قانونية، ونقص الموارد، واعتماد كبير على خدمات محدودة تقدمها مؤسسات إنسانية. ويشير ناشطون حقوقيون إلى أن غياب سياسات صحية شاملة للاجئين يجعل المرض عبئاً فردياً، تتحمله العائلة وحدها، دون ضمانات حقيقية للاستمرارية أو الحماية.
انعكست هذه الأوضاع بشكل مباشر على كرامة المرضى داخل المخيم. فالشعور بالعجز عن تأمين العلاج، والاضطرار إلى طلب المساعدة أو الاعتماد على التبرعات، يولد إحساساً متراكماً بالهشاشة والقلق. بالنسبة لكثيرين، لا يكمن الخوف في المرض ذاته، بل في ما قد يترتب عليه من عجز دائم أو فقدان للقدرة على العمل، في بيئة لا توفر بدائل أو شبكات أمان.

في مخيم البرج الشمالي، يتحول الجسد المرهق إلى شاهد صامت على واقع مركّب من الحرمان والانتظار. فكل وصفة طبية غير مكتملة، وكل علاج مؤجَّل، هو تذكير يومي بأن اللجوء لا ينتهي عند حدود السكن، بل يمتد ليطال أدق تفاصيل الحياة، بما فيها الحق في الشفاء.
وبينما يواصل السكان محاولاتهم للتكيّف مع هذا الواقع، يبقى سؤال الصحة سؤالاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد: كيف يمكن لجسد منهك أن يصمد، في ظل غياب ضمانات حقيقية للحق في الصحة؟ سؤال مفتوح، يوازيه واقع لا يزال يفرض على اللاجئين الفلسطينيين معركة يومية مع المرض، إلى جانب معركة اللجوء المستمرة