لم يخرج اللاجئون الفلسطينيون في لبنان من عام 2025 كما دخلوا إليه، فقد كان عامًا ثقيلًا متخمًا بالخسارات اليومية وبشعورٍ متراكم بأن الفلسطيني يُدفع مرة جديدة إلى الهامش ويُترك ليواجه مصيره وحيدًا.
لم تكن المعاناة استثنائية أو طارئة بل متواصلة وممنهجة تضرب أساسيات الحياة كالعمل والتعليم والأمن والكرامة الإنسانية.. في عام 2025 لم يعد اللاجئ الفلسطيني في لبنان مجرد ضحية أزمات بل تحوّل عمليًا إلى كبش فداء سياسي وأمني واقتصادي. سنة كاملة جرى خلالها التضييق عليه محاصرته بالخوف والفقر ومطالبته بالصمت فيما تُفرَض عليه قرارات تمسّ لقمة عيشه وأمنه ومستقبله.. كان عامًا فاضحًا كشف بوضوح أن الفلسطيني في لبنان ما زال خارج أي معادلة عدالة ويُحاسَب دائمًا على ما لم يرتكبه.
الأونروا: إدارة أزمة أم إدارة تفكيك؟
خلال العام الماضي تحولت وكالة الأونروا من مظلة حماية للاجئين إلى واحدة من أبرز عناوين الغضب داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان. فتقليص المساعدات الغذائية والإغاثية لم يكن تفصيلاً، بل ضربة مباشرة لآلاف العائلات التي لا تملك أي بديل. والتعليم بدوره لم يسلم، حيث بلغ الاكتظاظ الطلابي في الصفوف مستويات كارثية حوّلت المدارس إلى أماكن طاردة للتعلم في استخفاف واضح بمستقبل جيل كامل.
الأخطر تمثّل في قرارات الفصل التعسفي لبعض الموظّفين التي اعتُبرت رسالة سياسية قبل أن تكون إدارية بأنه لا أمان وظيفي ولا حوار ولا شراكة والتّهمة “الانتماء الوطني”.
الرد الشعبي جاء قاسيًا وواضحًا مع اعتصامات واسعة وإغلاق مكاتب الوكالة وبعض مدارسها ووصولًا إلى حرق صور مديرة الأونروا في لبنان دوروثي كلاوس والدوس عليها ووضعها في مكبات النفايات، في تعبير غير مسبوق عن انهيار الثقة الكامل بإدارة الوكالة.
إدانة شعبية مباشرة لنهج الوكالة التي بدت وكأنها تنفّذ سياسات تقشفية بلا أي اعتبار للواقع الفلسطيني في لبنان.
طوفان الأقصى: الفلسطيني في لبنان قرر أن يكون حاضرًا
في خضم هذا القهر، شكّلت معركة طوفان الأقصى لحظة مفصلية للاجئين الفلسطينيين في لبنان..
فلم تكن المشاركة عسكرية فقط لكنها كانت وجودية وسياسية بامتياز، فالمخيمات أعلنت انحيازها الكامل للقضية وعبّرت عن شعور عميق بأن الفلسطيني في الشتات ليس متفرجًا بل جزء من المعركة.. فرغم الاغتيالات والمجازر والضغوط برز موقف واضح داخل المخيمات: لن نُرهب ولن نُدفع إلى الانكفاء.
كان عام 2025 عامًا دامياً على الفلسطينيين بسبب الاغتيالات الكبيرة التي نفذها الاحتلال ضد شخصيات فلسطينية في لبنان، لكنه بلغ ذروته مع المجزرة الأخيرة في مخيم عين الحلوة والتي أسفرت عن ارتقاء 13 شهيداً من أبناء المخيم بعد استهداف الاحتلال ملعب الشهيد محمد طه.. وما أثار غضب الفلسطينيين أيضاً أن الأونروا المكلفة قانونياً بحماية الأطفال في مخيمات اللاجئين لم تُصدر بياناً واحداً ينعى تلاميذها أو يدين استهدافهم أو يذكّر بحقوقهم الإنسانية الأساسية.
وبذلك تؤكد هذه المجزرة حقيقة مريرة لأن أمن اللاجئ الفلسطيني ليس أولوية لأحد، وأن المخيمات تُستحضر فقط عند الحاجة السياسية.
السلاح الفلسطيني: انقسام داخلي تحت ضغط خارجي
لم يُطرح ملف السلاح الفلسطيني عام 2025 كمقاربة حماية أو حلّ بل كأداة ضغط سياسية، والأخطر أن هذا الضغط انعكس انقسامًا فلسطينيًا داخليًا حول تسليم السلاح للدولة اللبنانية. انقسام لم يكن نابعًا من ترف سياسي بل من خوف حقيقي، خوف من تسليم آخر أوراق القوة في ظل غياب أي ضمانات قانونية أو إنسانية خاصة أنه طُرح ونوقش دون مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المخيمات وواقع اللجوء.
الطرح السائد تجاهل السؤال الأساسي من يحمي اللاجئ الفلسطيني إذا جُرّد من كل أدوات الحماية؟ الإجابة لم تأتِ وبقي الملف سيفًا مسلطًا فوق المخيمات.
كل ما سبق رسّخ واقعًا خطيرًا بأن الفلسطيني في لبنان متهم دائمًا.. متهم أمنيًا واقتصاديًا وسياسيً، ويُطالَب بدفع ثمن انهيارات لم يكن طرفًا فيها بل ضحيّة وهذا الاتهام لم يكن صدفة، بل نهجًا واضحًا لإبقاء الفلسطيني في موقع الضعف والخوف.
سنة كشفت المستور
عام 2025 لم يكن عامًا عابرًا في ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بل كان عامًا فاضحًا أسقط كل الأقنعة..
فيه تبيّن بوضوح أن الفلسطيني ما زال يُعامل كملف أمني لا كإنسان وكعبء لا كصاحب حق وكضحية صالحة للدفع في كل اتجاه.. قُلّصت خدماته وضُربت كرامته وتُرك دمه بلا محاسبة وطُلب منه في الوقت نفسه أن يلتزم الصمت.
لكن ما فشل فيه هذا العام هو كسر الفلسطيني، فرغم الجوع ورغم المجازر ورغم الاغتيالات ورغم محاولات تجريده من أدوات الحماية أثبت اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أن القهر لا يصنع الاستسلام وأن الضغط لا يُنتج النسيان بل يزيدهم وعيًا وتمسكًا بقضيتهم ورفضًا لأن يكونوا وقودًا لتوازنات سياسية عابرة.
عام 2025 قال كلمته بوضوح: الفلسطيني في لبنان ليس هامشًا يمكن شطبه ولا رقمًا يمكن تجاهله ولا صوتًا يمكن إسكاته.. هو شاهد حي على جريمة لم تُغلق ولم تنته وحقّ لم يسقط وشعب مهما ضُيّق عليه لن يتخلى عن فلسطين ولن يوقّع على هزيمته.