| | |

مركز بلال بن رباح لتحفيظ القرآن الكريم… مسيرة قرآنية تصنع الأجيال في مخيم الجليل

في قلب مخيم الجليل بمدينة بعلبك، يبرز مركز بلال بن رباح – رضي الله عنه – لتحفيظ القرآن الكريم كأحد المعالم التربوية والدعوية الراسخة، التي حملت على عاتقها مسؤولية رعاية الأجيال قرآنيًا وأخلاقيًا منذ تأسيسه عام 1987. جاء إنشاء المركز استجابةً لحاجة ملحّة داخل المخيم، في ظل محدودية المؤسسات الدينية الحاضنة، فكان منبرًا للقرآن وملاذًا تربويًا آمنًا لأبنائه وبناته.

تطوّر متدرّج ورؤية واضحة
بدأ المركز عمله بقسم المعهد، ثم توسّع تدريجيًا ليشمل قسم الحلقات وقسم الذكور، قبل أن تُفتتح في السنوات الأخيرة أقسام جديدة، أبرزها قسم أنامل القرآن وقسم النعنعية، في خطوة هدفت إلى احتضان مختلف الفئات العمرية، وترسيخ الارتباط بالقرآن منذ الطفولة المبكرة.

اليوم، يضم المركز قسمين منفصلين للذكور والإناث، ويستقبل نحو 550 طالبًا وطالبة، بعد أن كان العدد سابقًا يقارب 800. ويُعزى هذا التراجع بشكل أساسي إلى عودة عدد كبير من العائلات إلى سوريا عقب انحسار الأزمة، ما انعكس على الواقع الديمغرافي والتعليمي في المخيم، دون أن يؤثر ذلك على استمرارية المركز أو جودة مخرجاته القرآنية، حيث واصل أداء رسالته بثبات مع تركيز متزايد على النوعية والإتقان.

منهجية تجمع الحفظ والفهم
يعتمد مركز بلال بن رباح منهجًا متكاملًا في تعليم القرآن الكريم، يقوم على التحفيظ المتقن إلى جانب التفسير وأحكام التجويد، وصولًا إلى الإجازة بالسند المتصل. ويخضع الطلاب لاختبارات دورية للحفظ القديم والجديد، بما يضمن تثبيت المحفوظ والاستمرارية، ويعزز الانضباط والجدية في المسيرة القرآنية.

ولا يقتصر الدور التعليمي على الحفظ فحسب، إذ يقدّم المركز برامج مرافقة تشمل دروسًا دعوية وتعاليم إسلامية عامة، إضافة إلى أنشطة داخلية وخارجية لإحياء المناسبات الدينية والوطنية، بما يُسهم في بناء شخصية متوازنة، واعية لقضايا أمتها، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي يحرص المركز على إبقائها حيّة في وجدان طلابه.

أرقام وإنجازات
منذ تأسيسه، خرّج المركز عشرات الحافظات والحفّاظ، بمعدل سنوي تراوح سابقًا بين 15 و20 حافظًا وحافظة. وفي السنوات الأخيرة، شهد العمل نقلة نوعية لافتة، حيث جرى التركيز على إتقان الحفظ وجودته، ما أثمر عن إطلاق مشروع السرد القرآني الكامل في جلسة واحدة، وهو من أبرز مشاريع المركز، وشارك فيه أكثر من ثلاثين ساردًا وساردة، في مشهد يعكس عمق التمكّن وقوة الحفظ.

حاضنة دعوية للمخيم
يشير معلم القرآن الكريم في المركز، الأستاذ عبد الله سلام، إلى أن مركز بلال بن رباح شكّل عبر العقود الحاضنة الدعوية الأساسية في المخيم والمحيط، خصوصًا في فترات غياب العمل الدعوي المنظم. وقد تعاقبت على المركز خمسة أجيال متتالية، توارثت رسالة القرآن وهمّ الدعوة، حيث تحوّل العديد من طلاب الأمس إلى معلمين اليوم، يعملون جنبًا إلى جنب مع الجيل المؤسس، في صورة تعبّر عن استمرارية المشروع وعمق تأثيره.

شهادات من قلب التجربة
تقول الطالبة شهد فادي خليل، البالغة من العمر 11 عامًا، إنها بدأت حفظ القرآن في المركز منذ سن الرابعة، وأتمّت حتى اليوم حفظ 18 جزءًا، مؤكدة أن القرآن ساعدها على فهم أحكام الدين والتمييز بين الحلال والحرام.

أما الطالبة لانا الناجي، البالغة من العمر 11 عامًا أيضًا، فقد بدأت مسيرتها مع القرآن منذ سبع سنوات، وتمكنت من حفظ 26 جزءًا، معتبرة أن القرآن لم يمنحها المعرفة الدينية فحسب، بل انعكس إيجابًا على تفوقها الدراسي وصقل شخصيتها الأخلاقية.

رسالة مستمرة لا تنقطع
ليس مركز بلال بن رباح مجرد حلقات لتحفيظ القرآن، بل هو مساحة لصناعة الإنسان القرآني، الذي يجمع بين العلم والعمل، وبين الحفظ والسلوك. ومن مخيم الجليل، يواصل المركز أداء دوره بهدوء وثبات، حاملًا رسالة القرآن إلى الأجيال المتعاقبة، ومؤكدًا أن كتاب الله سيبقى الركيزة الأمتن في بناء الوعي، وحفظ الهوية، وصناعة المستقبل.

لمشاهدة التقرير عبر الرابط

 

موضوعات ذات صلة