يدور الحديث فلسطينياً، في الآونة الأخيرة، حول تجديد محتمل في سلّم القيادة الفلسطينية، خاصة بعد تولي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حسين الشيخ منصب نائب الرئيس، إلى جانب شروط غربية معلنة تشترط إجراء إصلاحات جوهرية في بنية السلطة الفلسطينية مقابل القبول بإشراكها في مستقبل إدارة قطاع غزة. وقد فتح ذلك نقاشاً واسعاً حول حدود التحرك في مسار التغيير، وسقفه، وأدواته.
في هذا المقال البحثي، اخترنا تناول ملف سلّم القيادة الفلسطينية، وهوية الرئيس القادم، والآلية المتوقعة لاختياره، بالاعتماد على مجموعة من الأسئلة المنهجية، بهدف الوصول إلى إطار معرفي يساعد في فهم مآلات المشهد السياسي الفلسطيني.
أولاً: هل سيتم استبدال الرئيس محمود عباس في المرحلة القادمة؟
الحالة الفلسطينية، بطبيعتها، لا تميل إلى التغيير القيادي، لا عبر الانتخابات، ولا عبر الاستجابة للضغوط الإقليمية والدولية ولا حتى عبر المطالب الداخلية. ويزداد هذا الأمر وضوحاً عند الحديث عن السلطة الفلسطينية وحركة فتح. فدراسة تاريخ الحركة تقود إلى نتيجة مفادها أن التغيير في هرم القيادة كان يحدث غالباً إما بفعل الخصومة والانشقاق، أو في حال الوفاة، عبر آلية شَغل الشاغر.
وينطبق هذا العُرف التنظيمي على حالة الرئيس محمود عباس، إذ تشير معظم المؤشرات والمعطيات إلى بقائه في منصبه خلال المرحلة المقبلة، مع انعدام فرص التغيير، وذلك للأسباب الآتية:
1. نية الرئيس محمود عباس الاستمرار في شغل مناصب رئاسة السلطة، وقيادة حركة فتح، ورئاسة منظمة التحرير، دون أن يطرأ أي تغيير على هذا التوجه حتى الآن.
2. قناعة الصف الأول في حركة فتح، خاصة الشخصيات الطامحة للمنصب أو المؤثرة في صناعة القرار، بأن المناخ الحالي غير مهيأ لإحداث تغيير في موقع الرئاسة أو في بنية المؤسسات الأخرى، لعدم امتلاك أي طرف القوة الكافية لحسم المشهد لصالحه.
3. قناعة إقليمية ودولية وإسرائيلية بأن التغيير الجوهري في بنية السلطة الفلسطينية لم ينضج بعد، في ظل الأوضاع الناشئة عن الحرب، إلى جانب تقاطعات مصلحية يخدمها استمرار الجمود القائم.
4. استمرار حالة الانقسام الفلسطيني، بما تبقي المشهد السياسي في حالة جمود على مستوى مختلف ملفات القضية.
5. غياب التداول الديمقراطي للسلطة، حيث أصبحت الانتخابات العامة ومفاهيم التداول السلمي مصطلحات بلا أدوات تنفيذ أو قوى فاعلة قادرة على فرضها.
6. تحولات الحالة الحزبية الفلسطينية خلال العشرين عاماً الماضية، والتي بلغت ذروتها في السنوات الثلاث الأخيرة، مع تراجع التيار اليساري، وصعود التيارات الإسلامية من حيث الشعبية والشرعية النضالية، مقابل بقاء حركة فتح كقوة مركزية، وغياب أفق تشكّل تيار مدني ثالث قادر على المنافسة.
السؤال المركزي: ماذا لو شغر منصب الرئيس؟
في حال شغور منصب الرئيس، سواء بفعل الوفاة أو الاستقالة، فإن المشهد الفلسطيني سيدخل مرحلة بالغة التعقيد، وهي فرضية تثير قلقاً واسعاً لدى مختلف الأطراف. ويمكن مقاربة هذا السيناريو عبر مجموعة من الأسئلة المركزية:
أولاً: ما الآلية المتوقعة لاختيار الرئيس؟
الانتخابات العامة تبدو خياراً غير ممكن في السياق الفلسطيني الحالي، نتيجة رفض أطراف داخلية وخارجية لها، خشية تكرار سيناريو عام 2007. إضافة إلى مخاوف تتعلق بعدم قدرة حركة فتح على ترتيب بنيتها الداخلية، في ظل الخلافات مع القيادي محمد دحلان، ومع القيادي الأسير مروان البرغوثي، ما قد يعيد إنتاج تجربة عام 2021، حين خاضت الحركة الانتخابات بثلاث قوائم متنافسة.
ثانياً: ما البديل عن الانتخابات؟ ومن الأوفر حظاً داخل حركة فتح؟
رغم غياب النقاش الرسمي داخل أطر حركة فتح، إلا أن هذا الملف حاضر بقوة في النقاشات غير المعلنة. وتشير تقديرات داخل الحركة إلى أن آلية الاختيار قد تمر بمرحلتين:
• مرحلة انتقالية مؤقتة، يتولى فيها نائب الرئيس مهامه وفق مرسوم رئاسي.
• مرحلة ما بعد انتهاء الفترة القانونية المؤقتة، حيث يبرز الإشكال الأكبر: من هي الجهة المخوّلة باختيار الرئيس في ظل غياب الانتخابات؟
فالمجلس الوطني شبه مُعيَّن، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لا تمتلك ولاية واضحة في هذا الشأن، والمجلس الثوري لحركة فتح انتهت فترته القانونية.
ورغم عدم استعداد الحركة المؤسسي لهذا السيناريو، إلا أن كل طرف من أطراف التنافس يملك تصوراته الخاصة حول آلية تخدم مرشحه.
أبرز الشخصيات المرشحة داخل حركة فتح:
1. مروان البرغوثي: تتراجع فرصه بفعل استمرار اعتقاله، ولأن الاختيار لن يتم عبر انتخابات عامة.
2. حسين الشيخ: بعد تعيينه نائباً للرئيس، بات من الشخصيات التي تشق طريقها نحو المنصب بشكل تصاعدي.
3. جبريل الرجوب: شخصية تنظيمية قوية، قادرة على المنافسة المباشرة أو التأثير في تحديد هوية الرئيس القادم.
4. محمود العالول: يمتلك عناصر قوة متعددة تجعله منافساً جدياً داخل أروقة الحركة.
5. محمد دحلان: يبقى لاعباً مؤثراً في حال حدوث شاغر في سلّم السلطة، رغم تعقيدات حضوره.
العوامل الحاكمة لاختيار الرئيس القادم:
1. طبيعة المؤسسة التي ستتولى عملية الاختيار.
2. العامل الخارجي (العربي، الغربي، الإسرائيلي).
3. صيغة التوافقات الداخلية على توزيع مراكز القوة: قيادة فتح، قيادة المنظمة، رئاسة السلطة، والمرجعية الأمنية.
4. الموقف الشعبي والفصائلي، ومدى القبول أو الصمت تجاه آلية اختيار لا تقوم على الانتخابات.
انعكاسات هذا المسار:
1. تعميق الانقسام والتشظي في الساحة الفلسطينية.
2. تآكل مفهوم الشرعية، وتحول المؤسسات من أطر وطنية إلى أطر حزبية.
3. بروز أفكار بديلة لتمثيل الحالة الفلسطينية، بما يزيد من الإرباك السياسي.
4. تعميق الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتراجع التأثير الجمعي الفلسطيني.
الخلاصة
الانتخابات العامة، في الفكر السياسي الفلسطيني الراهن، لم تعد خياراً قابلاً للتطبيق. وستُحسم عملية التغيير في سلّم القيادة وفق منهج التوظيف التوافقي وتقاسم المسؤوليات، دون مشاركة شعبية فعلية، ودون قدرة حقيقية للمعارضة على التأثير. وفي المقابل، ستعود بقوة فكرة تشكيل جسم تمثيلي معارض بديل.
ومع ذلك، سيبقى عنصر المفاجأة حاضراً وقادراً على قلب المعادلة، سواء عبر تحرك شعبي، أو رفض تيار وازن داخل فتح لآلية الاختيار، أو تحول في الموقف الإسرائيلي تجاه جدوى استمرار السلطة بصيغتها الحالية.