خلال زيارتي الشهرية المعتادة لعيادة وكالة الأونروا في منطقة وادي الزينة لاستلام أدويتي، اصطدمت بواقع صادم لا يمكن اعتباره خللا عابرا أو تقصيرا إداريا بريئا، بل هو مشهد مكثف لسياسة تدمير ممنهجة تُمارس بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
عند وصولي إلى العيادة، كان عدد المراجعين 141 مريضا، فيما كانت العيادة قائمة منذ قرابة أسبوع كامل على طبيب واحد فقط.
الطبيب، الذي بدا عليه الإرهاق الجسدي والنفسي، رفض استقبال زيادة من المرضى، في موقف لا يُلام عليه، بل يُدان من دفعه إلى هذا الوضع غير الإنساني.
وعند السؤال عن السبب، كانت الإجابة فاضحة:الطبيب الثاني ترك العمل، ولم يتم تعويضه بطبيب بديل.
حتى عامل النظافة في المركز غائب، بلا بديل.
والتبرير الجاهز: قرار من إدارة الأونروا بعدم التوظيف.
أي منطق هذا؟ وأي “عجز مالي” يبرر تعريض صحة مئات اللاجئين للخطر؟ وأي حياد هذا الذي يبدأ بتجويع المنظومة الصحية وإنهائها من الداخل؟
ما يجري في عيادة وادي الزينة ليس حالة استثنائية، بل نموذج مصغر لسياسة أوسع: تفريغ الأونروا من مضمونها، ودفع اللاجئ الفلسطيني إلى اليأس، ثم إلى القبول القسري بأي بديل، ولو كان على حساب حقه وكرامته.
إن ما يحدث يتقاطع بشكل فاضح مع ما تريده الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي:
إنهاء الأونروا ليس بقرار صريح، بل عبر خنقها ماليا، وشلها إداريا، وتحويل خدماتها إلى هياكل ميتة، كي يُقال لاحقا: “الأونروا فشلت”.
لكن الحقيقة أن الأونروا لم تُترك لتنجح.
حين يُحرم اللاجئ من الطبيب، والدواء، والنظافة، والرعاية الأساسية، فهذه ليست أزمة تمويل، بل جريمة أخلاقية وسياسية.
وحين تُدار الوكالة بعقلية “الحد الأدنى حتى الانهيار”، فذلك يعني أن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تُبدد يوما بعد يوم، بصمت دولي مخز.
الأونروا وُجدت لأن هناك جريمة اقتلاع لم تُحاسب، وإذا كانت اليوم تُفرغ من دورها، فذلك لأن العالم قرر معاقبة الضحية بدل الجلاد.
إن استمرار هذا النهج يعني شيئا واحدا فقط:
دفع اللاجئ الفلسطيني إلى الموت البطيء… صحيا، اجتماعيا، وكرامتيا.
والصمت على ذلك ليس حيادا، بل تواطؤ.