الإعلان عن إصدار السلطة الفلسطينيّة مذكرة توقيف غيابيّة بحق السفير الفلسطيني السابق أشرف دبور، وتعميمها على الإنتربول، شكّل سابقة في تاريخ الصراع الفصائلي، وكان يمكن أن ينتهي الخلاف بمصالحة بين دبور وياسر عباس، المبعوث الخاص لرئيس السلطة الفلسطينية، أو صمت الأول وتقاعد مريح، كما جرى في حالات مشابهة، لكنه ترافق فصل دبور مع فصل حوالي 1900 فتحاوي آخرين، ما يشير إلى حجم نفوذه، والمخاوف من استثمار ذلك. وتواصلت “المدن” مع السفير السابق أشرف دبور الذي نفى إصدار المذكرة، واعتبر ما يجري تصفية حسابات لا تمت بصلة للمسار القانوني الصحيح. والسؤال: كيف بنى دبور هذا النفوذ، وما هي أبرز نقاط الخلاف بين فريقه وفريق ياسر عباس؟
مسيرة صناعة القوة
على رأس أسباب القوة التي امتلكها أشرف دبور هو الفترة الزمنية الطويلة التي مكث في سفيراً لدولة فلسطين في ساحة رئيسية للبنان (بداية 2012 حتى نهاية تموز 2025)، وهو ما سمح له أن يؤسس نفوذاً لم يعرفه سفراء قبله. كما أن تعيينه نائباً لمشرف الساحة اللبنانية عزام الأحمد (2018)، وضع بين يديه قيادة العمل الدبلوماسي الفلسطيني وقيادة الفصيل الفلسطيني الأكبر في لبنان عددياً على الأقل.
وهذه الفترة، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية في لبنان، شهدت توسعاً هائلاً في طلبات الانتساب إلى حركة فتح، يُضاف زيادة المخصصات لأسر الشهداء والجرحى، والتوسع ببعض المشاريع الصحية والرياضية والفنية وغيرها. كما أن التنافس السياسي بين الفصائل الفلسطينية على مجتمع اللاجئين في لبنان، نتيجة عوامل عديدة، منها تراجع فرص المشروع الدولتي في الضفة الغربية وغزة، دفع بالفصائل الكبرى إلى زيادة ميزانيتها الخاصة بلبنان، ووصلت ميزانية فتح إلى حوالي 15 مليون دولار شهرياً، وهو سمح للسفير دبور ببناء قاعدة شعبية واسعة.
ولا يجب أن يغفل المطلع على مسيرة دبور في بناء قاعدة شعبية، ميلاده وقضاء جزء من حياته في مخيم تل الزعتر، وموضوع المخيم كهوية فرعية راسخة في السوسيولوجيا الفلسطينية لا يمكن القفز عنها عند تحليل بناء الزعامة الفلسطينية. خاصة وأن مأساة المخيم (1976) صنعت تراجيديا جامعة لمن عاشوا هناك. وبالفعل استطاع دبور استمالة سكان المخيم السابق، الذين تبوأ بعضهم مناصب مهمة في حركة فتح، قبل عهده، وترسخ حضورهم بوجوده.
يُضاف إلى ذلك أن في مخيم الرشيدية، حيث يشكل اللاجئون من قرية فارة الفلسطينية التي تبعد 2 كلم عن الحدود اللبنانية، نسبة عالية من السكان، استطاع السفير السابق أشرف دبور أن يكتسب حضوراً لافتاً لدى أبناء قريته الذي يتبوّؤون تاريخياً مناصب متقدمة في حركة فتح. ولا يفوت مسألة رمزية هي ما أُشيع عن مرافقة السفير دبور لياسر عرفات خلال فترة من حياته، وهو ما ينفيه خصومه، لكنها تترك أثراً في الوجدان الشعبي.
ما يفوق ذلك أهمية أن مؤيدي الرجل وخصومه يُجمعون أنه استطاع خلال فترة مسؤوليته أن يقترب كثيراً من الفئات الشعبية، وحضوره الدائم في المخيمات، ومشاركته بالمناسبات الاجتماعية هناك، جعلت منه شخصية جماهيرية إلى حدّ كبير.
نقاط الخلاف
يوجّه خصوم دبور في حركة فتح عدة انتقادات تجاهه، أولها أنه رغم حركته الواسعة إلا أنه فشل في بناء مؤسسة قوية بعيدة عن الفردانية والعمل الارتجالي، فأصبحت كل قضايا التنظيم، من انتساب أصغر عنصر إلى أكبر قضية بيده هو وحده. الملاحظة الثانية أن المؤسسة التي كانت ترفض الخضوع له، مثل الهلال الأحمر الفلسطيني، كان يلجأ إلى إنشاء مؤسسة رديفة لها، ويتم تهميش تلك المتمردة. الملاحظة الثالثة، وفق الخصوم، هو إضعافه حركة فتح في المخيمات، الأمر الذي برز خاصة في مواجهة مجموعات إسلامية لحركة فتح في مخيم عين الحلوة.
مصدر مقرب جداً من السفير أشرف دبور، وهو قيادي كبير في حركة فتح شملته قرارات الإقالات، يعترف بوجود أخطاء، لكنه يشدد على أنه في عهد دبور توسعت حركة فتح في العديد والحضور. أما بالنسبة لعين الحلوة فإن الاشتباكات تركزت داخل حي واحد “ولولا حرصنا لدُمرت أحياء من المخيم، وليس هناك حدث معزول عن واقعه الجغرافي وتشابكاته السياسية مع الإقليم”.
ويُرجع خلاف فريق ياسر عباس مع السفير دبور إلى عدد من القضايا السياسية الجوهرية على رأسها السلاح الفلسطيني في لبنان “فنحن لم نكن يوماً ضد تنظيم وضبط السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، وتسليمه خارجها، لكن تجارب الماضي ووجودنا على أرض رخوة، تجعل أي تسليم كامل للسلاح هو مغامرة بحياة اللاجئين الفلسطينيين. كما أن تسليم السلاح دون الاتفاق على سلة متكاملة هو إسقاط للحقوق المدنية والإنسانية المشروعة. قال لنا مسؤول قادم من رام الله، مناكفاً: سنسلّم حتى آخر سكينة”.
ويتابع “في لقائنا الأخير مع رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني السابق باسل الحسن، في شهر آذار من العام الماضي، اتفقنا على آلية ضبط السلاح داخل المخيمات، وفي تفاصيل الحقوق الإنسانية، وسبل إقرارها، ولم يجرِ أي حديث عن التسليم الكامل. ماذا جرى بعدها؟ في نهاية أيار انحصر الحديث الرسمي الفلسطيني بتسليم السلاح كاملاً دون التطرق لأي حقوق. وهو ما أثار السفير دبور والمؤيدين له، فتصاعد الخلاف مع ياسر عباس”.
الموضوع الآخر الذي يدور حوله الخلاف، حسب المصدر القريب من دبور، هو العلاقات الفصائلية البينية، فيذكر المصدر أن “الفريق القادم من رام الله يرى أن هذه العلاقات تضر بشرعية تمثيل منظمة التحرير. فقلنا لهم إنه لا يمكن الحفاظ على أمن المخيمات دون تنسيق بين كل الفصائل. ولا يمكن تحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية دون الشراكة الفلسطينية. و”هيئة العمل الفلسطيني المشترك في لبنان” (2018) التي كان يرأسها السفير دبور نفسه، استطاعت أن تُنجز في هذين الملفين. أما إلغاؤها كما يحصل اليوم فيعني ضياعاً للحقوق، وتهديداً لأمن المخيمات”.
ويضيف “بعد إقالة دبور، وضرب العمل الفلسطيني المشترك، أصبح الحديث عن السماح بإدخال الأثاث إلى مخيم كإنجاز يصدر ببيان رسمي، بينما يتم التغاضي عن استهداف الممرضين الفلسطينيين، والتضييق على المخيمات من البداوي إلى عين الحلوة والرشيدية، وتوقف رواتب أسر الشهداء منذ أربعة أشهر، ولا نسمع أي صوت فلسطيني جدّي في هذه المواضيع، بينما يجري فصل 1900 فتحاوي، بذريعة أن السفير أشرف دبور قد عينهم، دون تحقيق، مع أن أغلبهم يتقاضى رواتب بالحدّ الأدنى، وهم حالات اجتماعية في الغالب، إما مَرضية أو من فئة كبار السن”.
ردّ دبور
في أول تواصل إعلامي له، منذ انتهاء مهمته كسفير فلسطيني، نفى أشرف دبور في حديث إلى “المدن” أي استدعاء له من قبل القضاء الفلسطيني، مؤكداً على أنه “إن تم استدعائي فلن أتخلّف أبداً عن الاستجابة، لأنني أعلم ما حاولت أن أقدمه لشعبي في لبنان، وكيف قمت بواجبي تجاه هذا الشعب الذي ضحّى بالكثير، وما زال أمامه نضال طويل من أجل نيل حقوقه، وصولاً للعودة”.
أضاف “سبق أن شددت أنني أرفض أن تُزج الخصومات الشخصية في المسار القضائي، ويجب أن تُصان العدالة من التسييس والاستغلال، وأن لا تتحول إلى أداة للكيد والانتقام. القضاء العادل هو المرجع الوحيد للمساءلة لا حملات التشهير. ومن هنا ترحيبي الدائم بأن تكون للعدالة كلمتها، وأن يكون القضاء هو الحكم في القضايا التي أثرناها”.
وتابع “الانتربول ليس خدماً عند أشخاص، فيجب عدم الزج بشعارات كبيرة لإسكات الخصوم. إنني وبكل صراحة أحذّر من تقاطع مصالح بين أشخاص وجهات باعدت بينهم الجغرافيا، وقربت بينهم المشاريع المشبوهة”.
وختم بالقول “الظروف حساسة جداً، والمخيمات الفلسطينية بخطر نتيجة عدة عوامل، من بينها عدم التواصل الجدي الذي كان قائماً بين الفصائل في الماضي، وشبه القطيعة اليوم قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع، فهل هذا هو المطلوب؟ اللهم بلّغت”.
هل يُنفّذ انشقاقاً؟
فشلت كل محاولات تقريب وجهات النظر، منها، كما علمت المدن، وساطة السفير الفلسطيني في لندن حسام زملط، التي تبعها بعد أيام الطلب من السفير دبور القدوم لرام الله لتسلم أوراق اعتماده كسفير في أحد البلدان الأوروبية، فرفض دبور. لكن هل يقود دبور انشقاقاً في حركة فتح بلبنان؟ ينفي المصدر المقرب من دبور أي نية لديه للإقدام على ذلك “فمن قضى أكثر من 50 عاماً في فتح، لن يكون سبباً في إحداث انشقاق بداخلها”.
يُضاف إلى ذلك أن الظرف الإقليمي والدولي وحتى المحلي اللبناني لن يسمح بإحداث انشقاق داخل حركة تقود عملية تسليم السلاح، وتعلن تطابق رؤيتها مع رؤية السلطة الرسمية اللبنانية في النظرة إلى حل قضية اللاجئين في لبنان. ولا يُخفى أن الانشقاقات الكبرى داخل حركتي فتح وحماس قد فشلت رغم الدعم الذي كان يتلقاه القائمون على تلك المحاولات، ولذلك أسباب تاريخية وشعبية ونفسية.
مع هذا، يبقى أن حراك السفير أشرف دبور، وما أثاره حول السلاح والعقارات خصوصاً، شكّل حالة إزعاج كبيرة لحركة فتح في لبنان. ومن المفارقات أن تصاعد الخلاف داخل الحركة، أجّل الانفجار الفلسطيني الداخلي، الذي بدت معالمه واضحة في الكثير من القضايا والمخيمات.