حين يُمحى الاسم… يبدأ التمهيد لمحو القضية

الكاتبوفاء بهاني

لم يأتِ تغييب اسم فلسطين من بعض المواد التعليمية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بوصفه خللًا تقنيًا أو سهوًا إداريًا عابرًا، بل يندرج في سياق أوسع وأكثر خطورة، يقوم على استهداف الوجود الفلسطيني بوصفه مسألة هوية وذاكرة وحق، لا مجرد حضور بشري مؤقت. فالمسألة هنا لا تتعلق بمفردة حُذفت من كتاب، بل بمسار تراكمي يسعى إلى تفريغ الوجود الفلسطيني من معناه السياسي والتاريخي، وصولًا إلى إعادة تعريفه كحالة إنسانية منزوعة الجذور.

تكمن خطورة هذه الخطوة في أنها تستهدف الجيل الفلسطيني الذي وُلد في المنافي ولم يشهد النكبة ولا التهجير الأول، لكنه ما زال يحمل فلسطين بوصفها هوية متوارثة عبر الوعي والتعليم والسردية الجماعية. وحين يُنتزع اسم فلسطين من المناهج، فإن ما يُستهدف فعليًا هو هذا الوعي الناشئ، عبر أدوات ناعمة لا تُحدث صدمة مباشرة، لكنها تُراكم أثرها ببطء وثبات، مستندة إلى التعليم بوصفه إحدى أكثر المساحات حساسية في تشكيل الانتماء والوعي الجمعي.

من منظور قانوني، لا يمكن التعامل مع التعليم باعتباره مادة محايدة أو إجراءً تقنيًا صرفًا. فالقواعد الأساسية في القانون الدولي، ولا سيما ما ورد في اتفاقيات جنيف، واتفاقية حقوق الطفل، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تؤكد أن التعليم حق أصيل يجب أن يُمارَس بما يحفظ الهوية الثقافية والوطنية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال او في اللجوء. وعليه فإن أي تدخل في المناهج يؤدي إلى تذويب الهوية أو تغييب الرواية الأصلية للاجئين لا يمكن تبريره بذريعة “الحياد” أو “التحديث”، لأن الحياد في هذه الحالة يتحول إلى انحياز صامت ضد الاسم، وضد الحق الذي يحمله.

ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن السياق العام للواقع الفلسطيني في لبنان خلال السنوات الماضية، حيث تراكمت سياسات التضييق المعيشي والاجتماعي بشكل ممنهج، من خنق اقتصادي وإهمال خدماتي، إلى تحميل المخيمات أعباء أزمات لم تكن يومًا طرفًا فيها. كما استمر حرمان اللاجئ الفلسطيني من حقه في العمل الكريم، في ظل قيود قانونية ومهنية دفعته إما إلى البطالة القسرية، أو إلى العمل الهش غير المحمي، أو إلى الهجرة الاضطرارية. وهي أشكال ضغط غير مباشر تُصنَّف، وفق القانون الدولي، ضمن سياسات الدفع نحو التهجير القسري.
ويأتي تسييج بعض المخيمات بجدران إسمنتية ليضيف بُعدًا رمزيًا بالغ الخطورة، إذ لا يقتصر الأمر على إجراء أمني، بل يعيد إنتاج صورة العزل والغيتو، ويحوّل المخيم من مساحة لجوء سياسي إلى مساحة محاصرة نفسيًا واجتماعيًا. وفي السياق ذاته، يُطرح ملف تسليم السلاح بمعزل عن أي ضمانات قانونية أو رؤية سياسية شاملة، ما يضع اللاجئ الفلسطيني أمام معادلة فقدان أدوات الحماية دون أي مقابل حقيقي يتعلق بالحقوق أو بالمستقبل.

وتزداد الصورة قتامة مع التوجه نحو بيع ممتلكات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وهو تطور لا يمكن اعتباره إجراءً ماليًا فحسب، بل مساسًا مباشرًا بالذاكرة السياسية والمادية للوجود الفلسطيني، وتمهيدًا لتحويل قضية اللاجئين من قضية سياسية مفتوحة إلى ملف إنساني قابل للإقفال التدريجي.

في هذا الإطار، لا يبدو دمج المدارس التي تحمل أسماء فلسطينية، ثم إلغاء هذه الأسماء من التداول التربوي، خطوة تنظيمية بريئة، بل جزءًا من عملية إعادة هندسة للوعي. فالاسم، في علم الاجتماع السياسي، ليس تفصيلًا شكليًا، بل حامل للذاكرة، ووعاء للانتماء، وأداة مقاومة رمزية. وحين يغيب الاسم عن المدرسة، يبدأ غيابه التدريجي عن لغة الطفل ووجدانه، لتتحقق أخطر أشكال التهجير: التهجير من الوعي قبل الجغرافيا.

سياسيًا وقانونيًا، يمكن قراءة حذف اسم فلسطين من المناهج بوصفه تمهيدًا لإعادة تعريف اللاجئين كـ “مقيمين بلا هوية سياسية”، وتهيئة الأرضية النفسية والقانونية لخيارات خطيرة، تبدأ بالتوطين القسري، ولا تنتهي بالهجرة الصامتة أو الإذابة الكاملة في مجتمعات اللجوء. وكل ذلك يصب في اتجاه واحد، هو إغلاق ملف حق العودة دون إعلان صريح، عبر تفريغه من مضمونه القانوني الذي نص عليه القانون الأممي رقم 194.

إن المعركة على الاسم ليست معركة لغوية لمنهاج تعليمي، بل معركة على المستقبل الفلسطيني ذاته. فالتاريخ يعلّمنا أن من يُمحى اسمه من الكتاب، يُمحى لاحقًا من الخريطة، ثم من الذاكرة. ولذلك فإن الصمت على هذه الخطوة لا يمكن اعتباره حيادًا، بل قبولًا تدريجيًا بمسار بالغ الخطورة.

ففلسطين ليست كلمة زائدة في المنهج، بل المنهج كله، وحذف اسمها ليس تعديلًا تقنيًا، بل محاولة لمحو القضية من الوعي قبل أن تُمحى من الأرض.

موضوعات ذات صلة