ما يجري في الأونروا اليوم لا يمكن قراءته على أنه مجرد عجز مالي أو إجراءات تقشفية مفروضة على مؤسسة منهكة. فالوكالة التي وُلدت عام 1949 بوصفها إجراءً مؤقتًا إلى حين عودة الفلسطينيين، تتحوّل بعد سبعة عقود إلى مسرح لإعادة تعريف اللاجئ نفسه لا كصاحب حق بل كموضوع إدارة دولية.
انتقال في الوكالة الأممية من وظيفة الغوث والتشغيل إلى وظيفة الضبط والسيطرة، ومن مؤسسة وُجدت لتثبيت المخيم بانتظار الحل إلى مؤسسة يُراد لها اليوم أن تُدير مرحلة ما بعد الحل أو ما بعد القضية.
وبهذا المعنى يصبح اللاجئ عبئًا لا حاملًا لحق والوطن ذكرى بدل أن يكون مشروعًا والمخيم مساحة تجريبية لإعادة صياغة مجتمع كامل داخل معادلة الإغاثة بدل العودة.
ولأن التمويل الدولي لا يُمنح إلا بشروط، فإن اشتراطات المانحين لم تعد تقنية أو مالية، بل سياسية صريحة بأن ال تمويل مقابل حياد والحياد مقابل صمت والصمت مقابل قبول بحلول اقتصادية بدل حلول سياسية..
وفي قلب هذه المعادلة يتحول الموظف إلى أداة اختبار يُطلب منه أن يكون محايدًا حتى يفقد حقه في الصوت وصامتًا حتى يفقد حقه في الاعتراض ومهددًا اقتصاديًا حتى يفقد قدرته على الصمود. وبذلك لا تعود الأونروا تحمي مجتمع اللاجئين من السياسة بل تمارس السياسة عليه.
حين يسقط الحياد عند القمة
في لحظة يُطلب فيها من الموظف الفلسطيني الامتناع عن التعبير والانخراط، تظهر الإدارة العليا أنها آخر من يتقيد بهذا المبدأ.
فموقع صدى الشتات كان قد نشر سابقاً عن مشاركة مديرة الأونروا في لبنان دوروثي كلاوس في حفل عشاء سياسي بدعوة من السفارة الفلسطينية.. وهذا الفعل لم يكن مجاملة بروتوكولية بل فعلًا سياسيًا بامتياز، فقد تخللت المشاركة هدية ثمينة لمسؤول فلسطيني في سياق توطيد مصالح وتبادل نفوذ.
وبهذه الصورة يصبح الحياد قاعدة فقط لمن هم في الأسفل من وجهة نظر الوكالة، بينما يتصرف من هم في القمة كفاعلين سياسيين داخل البيئة الفلسطينية اللبنانية.
والسؤال الأخلاقي والسياسي هنا واحد هل الحياد قيمة مهنية أم سيف يُشهر فقط حين يكون المستهدف فلسطينيًا محاصرًا بلقمة عيشه؟
فتح شريف… البروفة الأولى لمرحلة العقاب
واقعة الأستاذ فتح شريف مدير ثانوية دير ياسين في مخيم البص عام 2024 كانت أول إعلان عن مرحلة جديدة، فيومها طُلب منه أن يستقيل خلال يومين أو يواجه تحقيقًا بذريعة الحياد أمام المانحين والتهمة الأساسية كانت “الانتماء الوطني”..
ولم يكن المقصود آنذاك فتح شريف بذاته خاصة أنه كان موظفاً له حضور اجتماعي وانتماء سياسي وفهمٌ لدور المخيم في علاقة الفلسطيني بقضيته.
كانت تلك بروفة تأديبية هدفها توجيه رسالة إلى آلاف الموظفين بأن الحفاظ على الوظيفة يكون مقابل الصمت، والهوية مقابل الحياد.. وهو ما نتج عنها أيضاً من فصل للأستاذ إبراهيم مرعي مدير مدرسة حطين في صيدا، وللأستاذ وسيم يعقوب من نهر البارد، وللأستاذ حسان السيد مدير مدرسة القدس في مخيم برج البراجنة في العاصمة اللبنانية بيروت.

فصل مئة موظف… حين يتحول الحياد إلى ملف أمني
مسلسل العقاب وفصل الموظفين عاد إلى الواجهة اليوم، فحديثاً حصل موقع صدى الشتات على معلومات خاصة تشير إلى تبليغ نحو مئة موظف في لبنان بقرارات فصل بحجة مخالفة الحياد. والمفارقة أن بعض هؤلاء كانوا قد خضعوا سابقًا لتحقيقات من قبل الوكالة انتهت بتبرئتهم لعدم وجود أدلة، وهو ما يدل على أن الهدف ليس اكتشاف الحقيقة بل اختبار القدرة على الضبط.
وهكذا يتحول الحياد من قيمة مهنية إلى ملف تأديبي يتجاوز الوظيفة، وتصبح الوكالة في لحظة دولية حساسة طرفًا في عملية ضبط مجتمع فلسطيني كامل داخل إطار ما بعد القضية.
تقليص الساعات… حين تترجم السياسة إلى معيشة
المرحلة السابقة في هذا المسار جاءت في قرار تقليص ساعات العمل بنسبة 20% ابتداءً من شباط/فبراير 2026 مع تخفيض موازٍ في الأجور. القرار ليس تقشفًا باردًا بل عقاب معيشي يصيب الموظف في أكثر نقاطه هشاشة خصوصًا في لبنان حيث انهارت الأجور وتحول البقاء إلى معركة يومية.
واللافت أن الوكالة تبدأ دائمًا من أسفل الهرم: المعلم والطبيب والممرض والموظف الإداري، أي من يشكلون جسد الخدمة وروح المخيم.
هنا لا تضبط الأونروا نفقاتها بل تضبط حياة مجتمع بأسره.
في مقابل هذا الهجوم، يتحرك اتحاد المعلمين واتحادات العاملين بوصفهم آخر أدوات المقاومة المدنية..
فبياناتهم لم تعد احتجاجات مطلبية بل خطاب يرفض تحميل الموظف ثمن تقصير المانحين وفشل الإدارة الدولية ويرفض اعتبار العاملين الحلقة الأضعف التي يُلقى عليها عبء التسويات الكبرى.
وقد طالب الاتحاد الأونروا بالتراجع الفوري عن قرار تقليص ساعات العمل بسبب ما يترتب عليه من حسم مالي، وبضرورة فتح حوار جدي وشفاف معهم قبل اتخاذ أي قرارات مصيرية، وبضرورة احترام مبدأ العدالة وعدم اللجوء إلى العقوبات الجماعية المقنّعة.
ما بعد الأونروا وما بعد الحل
عشاء كلاوس وقضية فتح شريف وإخطار المئة موظف بفصلهم وتقليص الساعات، ليست وقائع منفصلة بل حلقات في سلسلة واحدة تقول إن الأونروا تتحرك نحو لحظة إعادة تعريف ذاتها.
والسؤال الذي لم يعد ممكنًا تجاهله هو هل المطلوب بقاء الوكالة أم بقاء شكلها فقط؟ أم تمهيد الانسحاب التدريجي وصولًا إلى إنهاء القضية من بابها الاجتماعي والمعيشي؟
وإذا كانت تصفية الحل السياسي قد فشلت لعقود فإن تصفية الحل الاجتماعي تبدو اليوم أكثر واقعية في حسابات النظام الدولي: لا مخيم يعني لا لاجئ، ولا لاجئ يعني لا عودة.
لكن الفلسطيني أثبت عبر تاريخ نكبته أن المخيم ليس مجرد موقع جغرافي، بل صنعة مقاومة وحامل للذاكرة ووعاء للحق.. وإذا كانت الأونروا تتحول إلى مدير لمجتمع اللاجئين فإن المجتمع نفسه هو من يحمل اليوم سؤال المستقبل، هل ستبقى الوكالة أم ستسقط؟ وإذا سقطت، فما الذي يسقط فعلاً الوكالة أم القضية.. وإذا بقيت، فهل ستبقى كما كانت أم كما يريدها النظام الدولي بلا حق وبلا انتماء وبحياد يقتل معنى القضية قبل أن يقتل صوت الموظف؟
فالأونروا بكل ما تفعل من تقليصات وتضييقات لم تعد اليوم مجرد مؤسسة خدمات بل اختبار سياسي لما إذا كان العالم يريد مستقبلًا للقضية الفلسطينية أم يريد مستقبلًا بلا قضية.
وبين المخيم والمانح والوكالة والموظف، يتحدد شكل معركة جديدة لا تشبه أي معركة سبقتها..
معركة الحق في أن يبقى الفلسطيني فلسطينيًا.