متأخرًا، جاء الاجتماع الموسّع الذي عُقد في السفارة الفلسطينية في بيروت، وضم فصائل منظمة التحرير، ورئيس دائرة شؤون اللاجئين في لبنان، ورئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، إلى جانب مسؤولي الاتحادات واللجان الشعبية في المخيمات والتجمعات الفلسطينية. ومع ذلك، لا بأس بأن نُسلّم بالمثل القائل: “أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا”.
حمل اللقاء عنوان: “الأوضاع الحياتية والمعيشية في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، والتحديات التي تواجه وكالة الأونروا”، وانتهى بالاتفاق على تشكيل لجنة متخصصة للتواصل مع الأونروا و”بحث كل الأمور المتعلقة بالعلاقة بين الوكالة واللاجئين”، وفق ما ورد في بيان السفير محمد الأسعد.
لكن السؤال المشروع يبقى: لماذا التأخر في طرح هذا العنوان العريض؟
فأوضاع اللاجئين في المخيمات بلغت حافة الانهيار، تمامًا كما بيوتهم المتصدعة. هل رأى سعادة السفير كيف تنهار المنازل في مخيم برج البراجنة؟ واقع اللاجئين اليوم بات صورة طبق الأصل عن ذلك المنزل المنهار.
وبالعودة إلى الاجتماع، من حيث الشكل يمكن اعتباره خطوة إيجابية، رغم أنه همّش فصائل فلسطينية وازنة، حتى وإن كانت خارج إطار منظمة التحرير، لكنها تبقى جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني الفلسطيني، لا سيما أن عنوان اللقاء كان اجتماعيًا لا سياسيًا.
اللافت أن الاجتماع جاء بعد تكريس نجل رئيس السلطة الفلسطينية، ياسر محمود عباس، ليس مشرفًا على الساحة فحسب، بل ممسكًا بملفاتها الأساسية، وفي مقدمها “ملف الأونروا”، وذلك عقب اجتماعه الشهير مع المديرة العامة دوروثي كلاوس، إثر احتجاجات اللاجئين على سياسة التقليص التي انتهجتها الإدارة ووصفها بالمشبوهة.
وهنا تبرز أسئلة أخرى مشروعة:
ما المطلوب اليوم من فصائل منظمة التحرير التي جرى تهميشها خلال زيارة الرئيس محمود عباس إلى لبنان في أيار 2025 وما بعدها؟
وماذا يعني الاتفاق على تشكيل لجنة متخصصة للتواصل مع الأونروا وبحث كل ما يتعلق بالعلاقة بينها وبين اللاجئين؟
هل سينتقل الملف من يد “مفوّض الرئيس” إلى الفصائل والأطر واللجان الشعبية؟
وهل يعكس هذا القرار رؤية واضحة لإدارة شؤون اللاجئين، أم أننا ما زلنا في دائرة البحث والتجريب؟ فكلنا يعلم ماذا يعني تشكيل اللجان.
أما في المضمون، فيمكن قراءته من خلال البيان الصادر عقب اللقاء. وهو في جوهره إعادة إنتاج لخطاب الأونروا ورسائل مفوضها العام فيليب لازاريني، وكأن الاجتماع عُقد لتبرير التقليصات والتخفيضات بذريعة العجز في التدفقات النقدية، وللترويج لمفهوم “استدامة عمليات الوكالة”.
استدامة عملياتها؟
يبدو أننا أمام تحوّل خطير في المصطلحات. فبعد أن اعتدنا على عبارة “العمل على حشد التمويل”، تظهر اليوم عبارة “استدامة العمليات”، في محاولة لتكريس خطاب الأونروا وزرعه في وعي اللاجئين كأنه قدر محتوم، حتى وإن كان هذا الخطاب في جوهره
باطلًا ومضللًا.
نحن نتوقع من السفير، وهو ابن لبنان ويعرف جيدًا معنى أن تكون لاجئًا فلسطينيًا في هذا البلد، أن يقترب من أهله في المخيمات، أن يستمع إلى قصصهم، وأن يلامس تفاصيل يومياتهم القاسية. ربما حينها، سيرى الواقع بعين الحقيقة لا بعيون المقرّبين القلائل.