| | |

المخيمات الفلسطينية في لبنان تحت مجهر المخدرات

تصاعد الحديث حول انتشار ظاهرة المخدرات داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، فخلال السنوات الأخيرة لم يكن الحديث مجرد ضجة إعلامية عابرة بل انعكاساً لضغوط اقتصادية واجتماعية وأمنية تراكمت لعقود.. فالمخيمات لم تُنتج هذه الظاهرة لكنها أصبحت مساحات لاستغلال شبكات تهريب محلية وخارجية بينما يتحمل المجتمع الفلسطيني آثارها دون أن يكون المسؤول الأساسي.

الواقع داخل المخيمات معقد جداً فالمساحات المخصصة للاجئين تشهد غياباً شبه كامل للسلطة اللبنانية المباشرة بينما القوى الفلسطينية ليست موحدة أمنياً، هذه البيئة شجعت شبكات الترويج الصغيرة على العمل بحرية نسبية مستغلة هشاشة السيطرة الأمنية وغياب فرص الشباب في التعليم والعمل.

من حادثة إيليو إلى السردية الأوسع

ليس صحيحاً أن وسائل الإعلام اللبنانية ربطت المخيمات بالمخدرات بشكل عفوي، فقد شكلت حادثة مقتل الشاب اللبناني إيليو أرنستو أبو حنّا في شاتيلا نهاية أكتوبر 2025 نقطة تحوّل في التغطية الإعلامية للمخيمات الفلسطينية. ورغم أن الحادثة لم تكن مرتبطة بالمخدرات أو شبكات الترويج، لكنها استُخدمت سريعاً لتسليط الضوء على ما وصفه الإعلام بضعف السيطرة الأمنية داخل المخيم وغرف المخدرات وربطت بسردية أوسع عن فوضى السلاح وانعدام القانون.

هذا التباين بين الحدث الواقعي وتفسير الإعلام عنه يكشف كيف يمكن لحادثة فردية أن تُستغل لتشكيل صورة عن الوضع الأمني داخل المخيمات، في حين تُظهر الوقائع أن القوى الفلسطينية تتخذ خطوات محدودة لكنها فعلية لضبط الوضع داخلياً ومواجهة شبكات الترويج.

مداهمات أمنية موثقة في المخيمات

على مدار عام 2025 نفذت قوى الأمن الفلسطينية والجيش اللبناني عدة عمليات مداهمة داخل شاتيلا أبرزها في 19 سبتمبر الفائت حيث ضبط الجيش مستودعاً لتخزين المخدرات وتم توقيف 55 شخصاً وضبط أسلحة ومواد مخدرة . وفي أكتوبر ايضاً سلّمت القوى الأمنية موقوفين مشتبه بهم في قضية قتل امرأة مع ضبط مواد مخدرة.

وفي أحدث عملية أمنية، نفذت قوة من مديرية المخابرات بمؤازرة الجيش اللبناني في 16 من الشهر الحالي عملية دهم داخل المخيم استهدفت المطلوب المعروف بلقب “أبو رصاص”.. عملية شهدت حادثة إطلاق نار من قبل مجهولين قبل فرارهم ما أدى لوقوع إصابتين.

شهر نوفمبر الفائت كان حافلاً في مكافحة المخدرات في المخيمات الفلسطينية:

ففي مخيم نهر البارد، نفذ الجيش اللبناني وضمن جهود الفصائل الفلسطينية واللجان الشعبية في المخيم عملية مداهمة في حي جاحولا وحي السوق أسفرت عن اعتقال خمسة تجار مخدرات فيما فر مطلوب سادس.

وفي مخيم البداوي، سلّمت القوّة الأمنيّة المشتركة في مخيم البداوي شمال لبنان المدعوَّين (أ.خ) و(ص.ح) وهما لبنانيّا الجنسية بالإضافة إلى (ع.أ) من الجنسية السورية إلى مخابرات الجيش اللبناني وذلك بعد توقيفهما داخل المخيم بتهمة الاشتباه بتعاطي وترويج المخدرات.

جنوباً إلى مخيم الرشيدية، أقدم أحد مروّجي المخدرات على تسليم كمية كبيرة كانت بحوزته إلى القوة الأمنية المشتركة، معلنًا توبته وابتعاده عن هذه التجارة التي وصفها بأنها “آفة مدمّرة للمجتمع والقضية.

المخيمات ليست منتجة للظاهرة بل متضررة منها

التحقيقات الميدانية والبيانات الرسمية من الجيش اللبناني ومصادر فلسطينية توضح أن معظم الموقوفين خلال العمليات الأمنية في المخيمات هم من جنسيات مختلطة مما يؤكد أن المخيمات هي مساحة استغلال لا أكثر. فشبكات الترويج الكبرى خارج المخيمات هي المصدر الفعلي للمواد المخدرة بينما المخيمات تتحمل التداعيات الاجتماعية والأمنية.

المداهمات والعمليات رغم نجاحها الجزئي، تظهر أن الحملات الأمنية وحدها لا تكفي، فالسيطرة الكاملة على الظاهرة تتطلب استراتيجيات شاملة تجمع بين الضبط الأمني والدعم الاجتماعي والاقتصادي للشباب والمجتمع.

وملف المخدرات في المخيمات الفلسطينية في لبنان يعكس تقاطعات هشاشة اجتماعية وأمنية واستغلال شبكات خارجية، وليس ظاهرة فلسطينية محضة، والأحداث الأمنية بما فيها أحدث عملية في شاتيلا تؤكد أن المخيمات تحاول ضبط الوضع داخلياً لكنها بحاجة إلى دعم أكبر وإلى مقاربات شاملة للحماية الفعلية للشباب والمجتمع.

وبين تصاعد المداهمات وواقع الاستغلال، يبقى السؤال المركزي كيف يمكن حماية المجتمع الفلسطيني في بيئة معقدة حيث لا توجد سلطة كاملة لضبط الظاهرة على المدى الطويل؟

 

موضوعات ذات صلة