على سطح منزل متواضع داخل مخيم البرج الشمالي، ترتفع خيمة زراعية صغيرة تحيط بها شتلات خضراء. في مكان اعتاد أن يكون مساحة مهملة أو مخزنًا مؤقتًا، تحاول عائلة فلسطينية أن تحوّل السطح إلى مصدر غذاء وأمل، ولو بحدوده الدنيا.
هذه الخيمة ليست مشروعًا زراعيًا بالمعنى التقليدي، بل جزء من مبادرة أطلقتها جمعية محلية لتقديم خيام زراعية للأسر داخل المخيم، بهدف تمكينها من زراعة الخضار على أسطح منازلها، في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب فرص العمل.
مبادرة بسيطة في مواجهة واقع معقّد
تقوم المبادرة على توزيع خيام زراعية مجهّزة بأساسيات الزراعة المنزلية، تشمل الهيكل البلاستيكي، وبعض مستلزمات الزراعة من تربة وبذور، إضافة إلى إرشادات أولية حول كيفية العناية بالمزروعات. وتستهدف الجمعية عددًا محدودًا من العائلات التي تعاني أوضاعًا اقتصادية صعبة، خاصة تلك التي تفتقر إلى أي مصدر دخل ثابت.
وبحسب القائمين على المشروع، فإن اختيار أسطح المنازل لم يكن خيارًا ترفيهيًا، بل نتيجة طبيعية للاكتظاظ الشديد داخل المخيم، وغياب المساحات المفتوحة، ما يجعل السطح المتنفس الوحيد الممكن للزراعة.

“لا نزرع لنكتفي… بل لنصمد”
تقول إحدى المستفيدات من المبادرة، وهي ربّة منزل وأم لثلاثة أطفال:
“الخيمة لا تؤمّن كل ما نحتاجه، لكنها تساعدنا. نزرع بندورة وخيار وبقدونس. أحيانًا نوفّر ثمن شراء الخضار، وأحيانًا نأكل مما نزرع ولو بكميات قليلة.”
أما لاجئ آخر، يعمل بشكل متقطّع، فيشير إلى أن الزراعة على السطح منحت العائلة شعورًا مختلفًا:
“نحن معتادون على تلقّي المساعدة، لكن هذه الخيمة تجعلنا نعمل بأيدينا. حتى لو كان الإنتاج بسيطًا، الإحساس مختلف.”
زراعة كاستجابة للغلاء وانعدام الخيارات
في ظل الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية، أصبحت الخضار عبئًا يوميًا على ميزانيات الأسر داخل المخيم. ومع انعدام فرص العمل المنتظم، تحوّلت المبادرات الصغيرة، كحدائق الأسطح، إلى أحد أشكال التكيّف القسري مع الفقر.
لكن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا تُقدَّم بوصفها حلًا جذريًا. فالإنتاج محدود، ويتأثر بعوامل الطقس، وتوافر المياه، وقدرة العائلة على المتابعة اليومية، فضلًا عن أن عدد المستفيدين يبقى ضئيلًا مقارنة بحجم الحاجة داخل المخيم.
تحديات وحدود التجربة
يواجه المشروع عدة تحديات، أبرزها ضيق المساحات، ومحدودية الموارد، وكلفة الصيانة، إضافة إلى غياب الدعم المستدام. كما أن بعض الأسطح غير مؤهلة لتحمّل الخيام الزراعية، ما يحرم عددًا من العائلات من الاستفادة.
ورغم ذلك، يرى متابعون أن قيمة المشروع لا تكمن فقط في كمية الإنتاج، بل في رمزيته: استعادة مساحة مسلوبة، وتحويلها إلى مساحة حياة.

بين المساعدة والحق
تُظهر تجربة الخيام الزراعية كيف يحاول اللاجئون ابتكار حلول يومية لتخفيف وطأة اللجوء الطويل، لكنها في الوقت نفسه تذكّر بأن هذه المبادرات تبقى بدائل مؤقتة، لا تعوّض عن غياب الحقوق الأساسية، وفي مقدّمها الحق في العمل والحياة الكريمة.
على أسطح المخيم، تنمو الخضار ببطء، لكن الأسئلة تبقى أكبر من الخيام: إلى متى سيبقى الصمود فرديًا، والحلول مؤقتة؟