| | | |

مخيم نهر البارد عشرة أيام في العتمة

صدى الشتات _ فاديا منصور

منذ أكثر من عشرة أيام، يعيش مخيم نهر البارد شمالي لبنان تحت وطأة أزمة حادة ناجمة عن انقطاع الكهرباء والمياه، ما حوّل الحياة اليومية لسكانه إلى معاناة مفتوحة، طالت مختلف مناحي العيش، ولا سيما لدى المرضى وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.

في أزقة المخيم، تغيب الإنارة والتدفئة، وتتوقف الأجهزة الكهربائية الأساسية، رغم التزام الأهالي بدفع الفواتير الرسمية بانتظام، دون أن يصلهم التيار.

هذا التقرير يرصد الواقع الإنساني المتفاقم من داخل المخيم، عبر شهادات مباشرة لأهالٍ أنهكهم البرد والمرض وغياب الحلول.

كهرباء مقطوعة… ومرضى في دائرة الخطر

لم يعد انقطاع الكهرباء في مخيم نهر البارد أزمة خدماتية عابرة، بل تحوّل إلى تهديد مباشر لحياة عشرات المرضى الذين يعتمدون على الكهرباء لتشغيل أجهزة الأوكسجين ومعدات طبية أساسية.

ومع غياب أي بدائل فعلية، يجد الأهالي أنفسهم عاجزين عن حماية مرضاهم، في ظل شتاء قاسٍ وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة.

في هذا السياق، يقول الحاج سليم عودة، أحد سكان المخيم، إن ما يجري «تجاوز حدود الاحتمال»، مضيفًا:

«نحن مشتركون بالكهرباء بشكل رسمي، ولدينا ساعات كهرباء، ويأتي الجابي لتحصيل الفواتير شهريًا، لكن عند كل أزمة نكون أول من يُحرم من التيار. مضى أكثر من عشرة أيام بلا كهرباء، بلا تدفئة، وبلا مياه».

ويشير عودة إلى التفاوت الصارخ بين المخيم ومحيطه، موضحًا: «قرى قريبة منا، لا يفصلنا عنها سوى جسر أو نهر، تنعم بالكهرباء ، فيما يغرق مخيم نهر البارد في العتمة. هذا ظلم واضح وتمييز لا مبرر له»

ويؤكد وجود أعداد كبيرة من مرضى الربو والأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى أجهزة أوكسجين، لافتًا إلى أن غلاء الاشتراكات وعدم قدرتها على تأمين أكثر من أمبير واحد يضاعف من خطورة الوضع.

عودة قسرية إلى التنكة والكيلي

من داخل منزل يلفه البرد، تروي الحاجة أم محمد تفاصيل معاناتها اليومية، مؤكدة أن الحياة في المخيم «عادت سنوات طويلة إلى الوراء».

وتقول: «صرنا نغلي المياه على الغاز، وهناك عائلات لم تعد قادرة حتى على ذلك، فلجأت إلى إشعال الحطب لتسخين المياه، في ظل غياب الكهرباء للسخانات وانعدام الكهرباء».

وتضيف: «لا إنارة ولا تدفئة، والليل طويل وبارد، خاصة على كبار السن. نحن لا نطالب برفاهية، بل بحقنا في العيش بكرامة. عشرة أيام بلا كهرباء تعني عشرة أيام من التعب والبرد والحرمان».

المرض والبرد… معاناة مضاعفة

أما الحاجة أم محمود، وهي سيدة تعاني من أمراض مزمنة، فتتحدث عن الأثر القاسي لانقطاع الكهرباء على صحتها الجسدية والنفسية.
تقول: «أنا مريضة، وفي الشتاء يصبح البرد قاتلًا. لا توجد دفايات ولا كهرباء، أنام تحت الأغطية وأستيقظ وأنا أرتجف من شدة البرد».

وتضيف: «اتت الكهرباء فأردت أن أشعل المدفئة ما هي إلى دقائق وتقطع وأعادة الكرة لمرتين حتى يأست من عودتها فقمت بلف نفسي بالحرامات ونمت. ونحن نشعر وكأننا لا نعيش في عام 2026، بل في زمن بدائي».

وتلفت إلى أن المعاناة تمتد إلى المياه والغسيل، موضحة أن الملابس باتت مكدسة داخل المنازل لعدم القدرة على تشغيل الغسالات أو ضخ المياه.

 

الكهرباء مسألة حياة أو موت

من جهته، يشدد أبو رامي على أن الأزمة تجاوزت كل الخطوط الحمراء، في ظل وجود مرضى يحتاجون إلى أجهزة طبية تعمل بالكهرباء.

ويقول: «لدينا مرضى ربو وأمراض صدر، وآخرون يحتاجون إلى أوكسجين بشكل دائم. عندما تنقطع الكهرباء، تصبح حياتهم مهددة بشكل مباشر».

ويضيف: «نحن كمخيم ندفع فواتير رسمية، ولا أحد يستطيع اتهامنا بالمخالفة، لكن رغم ذلك نُترك بلا كهرباء لأيام طويلة. هذا إهمال، وقد يؤدي إلى وفاة مريض بسبب انقطاع التيار».

ويوضح أن الأزمة لا تقتصر على الكهرباء، بل تترافق مع انقطاع المياه، حيث يعجز الأهالي عن تعبئة الخزانات أو سحب المياه، ما يحرمهم من الاستحمام والغسيل والتدفئة، مؤكدًا أنه شخصيًا لم يتمكن من الاستحمام منذ أكثر من أسبوع بسبب غياب الكهرباء والمياه.

ما يعيشه مخيم نهر البارد اليوم ليس أزمة طارئة أو عابرة، بل مأساة إنسانية تتكرر مع كل شتاء، وتكشف هشاشة الواقع الخدماتي المفروض على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. في العتمة، تتجلى حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: الكهرباء في مخيم نهر البارد ليست رفاهية، بل حق أساسي، وغيابها يشكّل خطرًا حقيقيًا على حياة الناس وكرامتهم.

موضوعات ذات صلة