| |

الزراعة في مخيم الرشيدية: محاولات محدودة لتأمين الغذاء في مساحة ضيّقة

في مخيم الرشيدية جنوب لبنان، يحاول عدد من اللاجئين الفلسطينيين الاستفادة من الأراضي الزراعية المحيطة بالمخيم، إضافة إلى مساحات محدودة قرب المنازل، لزراعة بعض الخضار الموسمية. هذه المحاولات تأتي في سياق السعي لتأمين جزء من الغذاء اليومي، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وغياب فرص العمل المستقرة.

الزراعة في الرشيدية لا تُعد قطاعًا اقتصاديًا قائمًا بحد ذاته، بقدر ما هي وسيلة تكيّف مع واقع معيشي صعب، وبديل جزئي عن سوق باتت كلفته تفوق قدرة كثير من العائلات.

محاولات بدأت بدافع الحاجة

يقول أبو أحمد، وهو لاجئ فلسطيني يقيم في المخيم منذ سنوات طويلة، إن لجوءه إلى الزراعة جاء بعد أن أصبح تأمين الخضار عبئًا متزايدًا على ميزانية العائلة.

“بدأت أزرع بعض الخضار لأن الشراء اليومي لم يعد ممكنًا. الكمية قليلة، لكنها تساعد.”

يعتمد أبو أحمد على وسائل بسيطة في الزراعة، مستخدمًا أدوات متوفرة وإمكانات محدودة، ويؤكد أن التجربة لا تحقق دخلًا، لكنها تخفف جزءًا من المصاريف.

الزراعة في ظروف محدودة

تُمارس الزراعة في مخيم الرشيدية ضمن ظروف صعبة، رغم توفر أراضٍ زراعية في محيطه. فشحّ المياه، وارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج، وغياب الإرشاد الزراعي المنتظم، عوامل تجعل من استثمار هذه الأراضي مهمة شاقة. كما أن الاعتماد على أدوات بدائية، وعدم انتظام مصادر الري، يحدّان من حجم الإنتاج وجودته.

تقول أم محمد، وهي من سكان المخيم:

“الأرض موجودة، لكن العمل فيها صعب. كل شيء أصبح مكلفًا، من المياه إلى البذور.”

غذاء للاستهلاك المنزلي أكثر من كونه مصدر دخل

في معظم الحالات، تقتصر الزراعة على تأمين الخضار للاستهلاك المنزلي. فالكميات المنتجة لا تسمح بتحقيق مردود مالي ثابت، ولا تكفي لتسويق منتظم.

يقول أبو خالد، وهو مزارع في محيط المخيم:

“نزرع لنأكل أولًا. البيع ليس مضمونًا، وغالبًا لا يغطي التكاليف.”

ويرى أن الزراعة تساعد على تقليل الاعتماد على السوق، لكنها لا تشكّل بديلًا عن العمل أو الدخل.

الزراعة كخيار اضطراري في ظل عدم الاستقرار

في ظل التدهور الاقتصادي وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تحوّلت الزراعة في مخيم الرشيدية إلى إحدى وسائل التكيّف مع الأزمة المعيشية. فمع تقلّص فرص العمل وتراجع القدرة الشرائية، وجد بعض اللاجئين في استثمار الأراضي الزراعية المحيطة بالمخيم محاولة لتخفيف كلفة الحياة اليومية، ولو بشكل محدود. غير أن هذه التجربة تبقى محكومة بعدم الاستقرار، إذ يتأثر العائد الزراعي بعوامل عديدة، من تقلبات الطقس وارتفاع كلفة البذور والأسمدة، إلى صعوبة تسويق المحاصيل. ويؤكد مزارعون أن الزراعة لم تعد مصدرًا مضمونًا للدخل، بل خيارًا اضطراريًا يُعاد اتخاذه موسمًا بعد آخر، في ظل غياب أي دعم منظّم يخفف من حجم المخاطر.

تحديات مستمرة

تواجه الزراعة في مخيم الرشيدية تحديات متراكمة، أبرزها شحّ المياه وارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج، إضافة إلى غياب الدعم المؤسساتي والإرشاد الزراعي. كما تؤدي الظروف الاقتصادية العامة إلى صعوبة الاستمرار في هذه التجربة، التي تعتمد بشكل أساسي على الجهود الفردية والمبادرات الذاتية، دون وجود برامج دعم تضمن تطويرها أو استدامتها.

تعكس الزراعة في مخيم الرشيدية واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث تتحول الأرض المتاحة إلى وسيلة للتكيّف مع الفقر وغلاء المعيشة. هي محاولات محدودة في نتائجها، لكنها تعبّر عن سعي يومي لتأمين الغذاء وتقليل الاعتماد على السوق، في واقع تضيق فيه الخيارات وتتراكم الأزمات.

لمشاهدة التقرير عبر الرابط

موضوعات ذات صلة