في أحد الأزقة الضيقة داخل مخيم الرشيدية، حيث تتلاصق البيوت وتضيق المساحات، يفتح مركز تحفيظ القرآن أبوابه يوميًا أمام عشرات الأطفال. هنا، لا يعلو صوت الشارع ولا ضجيج المخيم، بل تتردد آيات تُتلى بهدوء، في مشهد يختلف عن إيقاع الحياة القاسي في المخيم.
المركز ليس مجرد مكان لتعليم القرآن، بل مساحة تربوية واجتماعية تحاول أن توفّر للأطفال بيئة آمنة، في ظل واقع اقتصادي صعب وضغوط نفسية متراكمة يعيشها سكان المخيم.

يوم يبدأ بالتلاوة
مع ساعات العصر، يبدأ الأطفال بالتوافد إلى المركز، يحملون دفاترهم ونسخهم الصغيرة من المصحف. يجلسون في غرفة بسيطة، تتوزع فيها المقاعد بشكل متقارب بسبب ضيق المكان. تبدأ الحصة بتلاوة جماعية، ثم ينتقل المعلمون إلى متابعة كل طفل على حدة، يصححون الأخطاء ويشجعون على الاستمرار.
يقول أحد المشرفين في المركز:
“نحاول أن نعلّم الأطفال القرآن بهدوء وصبر، بعيدًا عن الضغط. كثير منهم يعيشون توترًا في البيت أو الشارع، وهنا يشعرون بالراحة.”
أكثر من تعليم ديني
لا يقتصر دور المركز على تعليم الحفظ والتجويد فقط، بل يمتد ليشمل التربية السلوكية. يحرص المعلمون على تعليم الأطفال احترام الوقت، النظام، الاستماع للآخرين، والعمل الجماعي.
يضيف أحد المعلمين:
“نلاحظ فرقًا واضحًا في سلوك الأطفال بعد فترة من الانتظام. يصبحون أكثر هدوءًا وانضباطًا، وأكثر ثقة بأنفسهم.”
هذا الدور التربوي يكتسب أهمية خاصة في بيئة المخيم، حيث تندر المساحات المخصصة للأطفال، وتغيب الأنشطة الترفيهية والتعليمية البديلة.

مساحة آمنة في مواجهة الشارع
بالنسبة لكثير من الأهالي، يشكّل المركز ملاذًا آمنًا لأبنائهم. فالشارع في المخيم يحمل تحديات عديدة، من ضيق المكان إلى غياب الرقابة، ما يجعل وجود مساحة منظمة للأطفال أمرًا بالغ الأهمية.
تقول أم أحمد، وهي والدة أحد الطلاب:
“أشعر بالاطمئنان عندما يأتي ابني إلى هنا. أعرف أنه في مكان آمن ويتعلم شيئًا مفيدًا.”
تحديات يومية
رغم أهمية الدور الذي يؤديه المركز، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة. أبرزها ضيق المكان، الاكتظاظ داخل الصفوف، ضعف الإمكانيات المادية، وقلة الوسائل التعليمية الحديثة. كما يعتمد المركز في كثير من الأحيان على جهود تطوعية ودعم محدود.
يوضح أحد المشرفين:
“نستمر بما هو متاح. نحتاج إلى دعم أكبر، لكننا لا ننتظر المعجزات، الأهم أن يستمر الأطفال في المجيء.”
أثر واضح على الأطفال
يظهر تأثير المركز بوضوح على الأطفال أنفسهم. كثير منهم يعبّر عن تعلقه بالمكان، وعن شعوره بالفخر عندما يتمكن من الحفظ أو التلاوة بشكل صحيح.
يقول طفل في الحادية عشرة من عمره:
“أحب المجيء إلى المركز. عندما أقرأ القرآن بشكل صحيح أشعر أنني أنجزت شيئًا مهمًا.”
هذا الشعور بالإنجاز ينعكس إيجابًا على ثقة الأطفال بأنفسهم، ويمنحهم دافعًا للاستمرار.
في مخيم الرشيدية، حيث تضيق الخيارات وتتراكم التحديات، يظل مركز تحفيظ القرآن مساحة مضيئة في حياة الأطفال. بين جدرانه المتواضعة، لا تُحفظ الآيات فقط، بل تُزرع القيم، ويُبنى الانضباط، ويُخلق شعور بالأمان في بيئة تفتقر إليه.
هو مركز صغير بإمكانياته، لكنه كبير بأثره، يذكّر بأن التعليم، مهما كان بسيطًا، يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الصمود، ونافذة أمل لأجيال تنشأ في ظروف استثنائية