في أروقة صناعة القرار الأمريكي، لا تُقاس قيمة الحلفاء بالعواطف، بل بـ “القدرة على الانضباط ومركزية القرار”. تاريخياً، ظلّت الرؤية الأمريكية للمنطقة محكومة بمعادلة استراتيجية واحدة: البحث عن وكيل إقليمي واحد صلب، بدلاً من التعامل مع فسيفساء عربية معقدة وغير متوقعة.
الثقة الأميركية بالعرب
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استقرت قناعة لدى واشنطن بأن العرب “قوة غير موثوقة” استراتيجياً، ليس لنقص في إمكانياتهم، بل بسبب سيولة الأنظمة وتعدد مراكز القرار.
فوبيا الوحدة: تكشف الوثائق السرية أن أي مشروع عربي موحد كان يُنظر إليه كتهديد مباشر؛ لأن “الكتلة العربية الواحدة” تعني امتلاك أوراق ضغط (كالنفط والموقع) لا يمكن لواشنطن احتواؤها بسهولة.
درس الانقسام: أثبتت تجارب 1967 و1973 للغرب أن التنسيق العربي غالباً ما يصطدم بالمصالح القطرية، مما جعل المراهنة على “قرار عربي موحد” مخاطرة غير مضمونة النتائج.
عصر الشاه: نموذج “الوكيل المثالي”
قبل عام 1979، كانت إيران تمثل “الحلم الجيوسياسي” لأمريكا. نظام مركزي، جيش مدرب أمريكياً، وقرار سياسي ينبع من رأس واحدة.
السيطرة على طهران حينها كانت تعني التحكم في نصف المنطقة بضغطة زر واحدة، وهو ما جسده التدخل في انقلاب 1953 لضمان بقاء “المركزية الإيرانية” تحت المظلة الغربية.
الثورة الإسلامية وسقوط “المرساة”
بسقوط الشاه، لم تفقد أمريكا حليفاً فحسب، بل فقدت “المنطق الذي تُدار به المنطقة”. أثبتت الثورة أن الشعوب قادرة على قلب الأنظمة الموثوقة، مما خلق حالة من القلق التاريخي: إذا سقط “الشرطي الإيراني” القوي، فكيف يمكن الوثوق بالبدائل؟
التحول الراهن: الرهان على الثورة الشعبية والبديل الملكي
نصل اليوم إلى لحظة حرجة؛ حيث تتزايد الضغوط الغربية لدعم الحراك الشعبي داخل إيران. هذا الدعم ليس مجرد انحياز للديمقراطية، بل هو “استدراك استراتيجي” تقوده واشنطن للأسباب التالية:
إعادة إنتاج “الشاه”: تراهن الدوائر الغربية على عودة “النظام الملكي” أو نخبة مركزية جديدة تعيد إيران إلى دورها كحليف منضبط يسهل التنبؤ بقرارته.
سد الفراغ: تسعى واشنطن لاستعادة “إيران المركزية” لتكون موازناً إقليمياً يضمن مصالحها في حال فقدت سيطرتها الكاملة على الأطراف الأخرى.
هل تخشى اميركا ان تفقد القرار العربي؟
السبب الحقيقي وراء استعجال الغرب لترتيب البيت الإيراني هو بداية استقلال القرار العربي.
لقد بدأ العرب مؤخراً بفك “العقدة التاريخية” مع واشنطن، واتجهوا نحو بناء تحالفات سيادية عابرة للأقطاب التقليدية (شرقاً وشمالاً). هذا “الانفلات العربي” من الوصاية جعل واشنطن تشعر بضرورة إيجاد “مرتكز إقليمي” بديل وقوي (إيران ما بعد الثورة الحالية) ليكون أداة ضغط وإعادة توازن أمام الصعود العربي المستقل.
إن التاريخ يعيد نفسه؛ الغرب يفضل دائماً التعامل مع “مركز ثقل واحد قابل للضبط” على التعامل مع قوى لامركزية بدأت تدرك عناصر قوتها.
والخلاصة إن محاولة “إنجاح الثورة” في إيران الآن هي محاولة غربية لترميم أداة السيطرة القديمة. وبينما يحاول العرب التحول إلى “قوة مستقلة”، يحاول الغرب إعادة “إيران” إلى حظيرته لتكون حائط الصد الجديد أمام الطموحات السيادية العربية.
المطلوب عربياً وايرانياً
إن استمرار التلاعب الغربي بمصير المنطقة، تارة عبر دعم الأنظمة وتارة عبر ركوب موجات الثورات، لن ينتهي إلا بكسر “عقيدة الوكيل” التي تتبناها واشنطن.
فالمطلوب هو الإدراك اليقين بأن صراعنا “البيني” ليس إلا الوقود الذي يحرك محرك السيطرة الغربية. إن شعوب المنطقة، في طهران كما في الرياض والقاهرة وبغداد، مدعوة اليوم لرفض دور “أدوات الضغط” التي يحركها الخارج ضد بعضها البعض.
ورسالتي للسياسيين والشعوب: لقد آن الأوان لإنهاء عصر “التلاعب العابر للحدود”؛ فالمصالح المشتركة والاستقرار الحقيقي لا يُصنعان في دهاليز البيت الأبيض، بل في بناء تفاهمات إقليمية سيادية تضع حداً لسياسة “فرق تسد”.
إن القوة لا تكمن في أن تكون “حليفاً منضبطاً” للغرب، بل في أن تكون “جاراً مستقلاً” يحترم إرادة شعبه وجيرانه.
وإذا لم نستوعب هذا الدرس التاريخي الآن، سنبقى مجرد بدائل في حقيبة الأدوات الأمريكية، يُستبدل أحدنا بالآخر كلما اقتضت مصلحة “المركز” ذلك.