حين يتقدّم الصوت الرسمي خطوة إلى الأمام

الكاتبإدوارد كتورة

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس المواقف بتوقيتها فقط، بل بما تفتحه من أفق سياسي جديد. فحين ينتقل الخطاب من المجاملة الدبلوماسية الصامتة إلى الحضور العلني في ساحة الدفاع عن الحقوق، يصبح الفعل بحد ذاته رسالة، حتى وإن جاء بعد طول انتظار. من هذا المنطلق، يمكن قراءة الدعوة إلى الاعتصام أمام مقر الإسكوا في بيروت يوم الجمعة القادم، بوصفها مؤشرًا على مراجعة مطلوبة في مقاربة ملف الأونروا، لا مجرد ردّ فعل على إجراءات مالية عابرة.

إن التحرك الذي دعت إليه حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، بمواكبة واضحة من السفارة الفلسطينية، يشكّل كسرًا لحالة الجمود التي طبعت العلاقة مع إدارة الأونروا في السنوات الأخيرة. وهو تحرك يعبّر، في جوهره، عن انحياز متأخر لكنه ضروري إلى صف اللاجئين والموظفين، في مواجهة قرارات المفوض العام الأخيرة، وعلى رأسها الخصم الجائر من الرواتب، وما رافقه من سياسات تعسفية طالت الخدمات والحقوق الأساسية في مختلف الأقاليم.

السفارة الفلسطينية: من الصمت الدبلوماسي إلى الحضور السياسي

يُسجَّل للسفارة الفلسطينية في لبنان أنها اختارت، في هذه المرحلة الدقيقة، أن تنتقل من لغة اللقاءات المغلقة وتشكيل اللجان إلى الفعل العلني، وأن تقول كلمتها في مواجهة إدارة الأونروا، بعد سلسلة اجتماعات وزيارات مع مسؤولي الوكالة لم تُفضِ إلى أي تصحيح ملموس في المسار. وهذا التحول، بحد ذاته، يستحق التقدير، لأنه يعكس إدراكًا متناميًا بأن إدارة الوكالة، ممثّلة بالمديرة العامة في لبنان الدكتورة دوروثي كلاوس، وبالمنظومة الدولية المشرفة من عمّان، لم تعد تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها مسؤولية قانونية وأخلاقية، بل كملف إداري قابل للاختصار والتقليص.

إن الوقوف إلى جانب هذا التحرك لا يعني تبرئة أحد من المسؤولية السابقة، بل يعني دعم كل خطوة تُعيد الاعتبار للدور التمثيلي الفلسطيني الرسمي والشرعي، وتضع الأونروا أمام مساءلة سياسية علنية، لا خلف الأبواب المغلقة.

الأونروا: أزمة إدارة أم أزمة وظيفة دولية؟

ما تواجهه الأونروا اليوم يتجاوز حدود العجز المالي، ويمسّ جوهر وظيفتها كما حدّدتها قرارات الأمم المتحدة. فالوكالة التي أُنشئت لتوفير الحماية والخدمات للاجئين الفلسطينيين، باتت تُدار بعقلية تقشفية تُحمّل الضحية كلفة الأزمة، وتُمعن في تقليص الخدمات، وفرض الإجراءات الأحادية، من دون أي شراكة حقيقية مع أصحاب القضية أو ممثليهم.

من هنا، تكتسب الدعوة إلى الاعتصام معناها الأعمق، ليس بوصفها احتجاجًا على قرار محدد، بل كإعلان رفض لمسار إداري وسياسي يفرّغ الأونروا من مضمونها، ويحوّلها من شاهد دولي على قضية اللاجئين إلى مؤسسة إغاثية محدودة الصلاحيات ومقيدة الإرادة.

ما بعد الاعتصام: مسؤولية وطنية مفتوحة

إن التحرك الشعبي والدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون حدثًا عابرًا. والرهان الحقيقي اليوم هو على تحويل هذه الخطوة إلى مسار مستدام، تتقدمه السفارة الفلسطينية، وتشارك فيه القوى الوطنية الحيّة بمختلف أطيافها، دفاعًا عن حقوق اللاجئين وكرامة العاملين في الوكالة.

المطلوب مقاربة شاملة لملف الأونروا، تنطلق من القانون الدولي، وتستند إلى التفويض الأممي، وتخاطب الدول المانحة واللجنة الاستشارية بلغة الالتزام لا الاستجداء، وتُخضع الإدارة الدولية للوكالة لمساءلة فعلية عن سياساتها وقراراتها. فالأونروا ليست منّة، ولا خدماتها قابلة للمقايضة، بل هي التزام دولي لا يسقط بالتقادم ولا بالعجز المصطنع.

تحية مشروطة بالأمل… ومسؤولية لا تحتمل التأجيل

إن الإشادة بهذا التحرك تنبع من الحرص على تعزيزه لا الاكتفاء به. وهو تحية مشروطة بالأمل بأن تكون هذه الخطوة بداية استعادة للدور السياسي الفلسطيني الرسمي والشرعي في أحد أخطر الملفات، لا مجرد محطة لامتصاص الغضب. فحين تقول المؤسسة الرسمية كلمتها إلى جانب شعبها، يصبح الصمت مستحيلاً، والتراجع مكلفًا.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن حالة الاعتراض والمساءلة لم تولد مع هذا الاعتصام، بل سبقته خطوات تصعيدية فعلية وعملية قادها اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني في لبنان منذ ما يزيد على سبعة أشهر، عبر مسارات حقوقية وقانونية وإعلامية هدفت إلى كشف الخلل الإداري ومظاهر الفساد في إدارة الأونروا. وعليه، فإن هذا الاعتصام يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق جديدة نحو عمل فلسطيني موحّد، يتجاوز ردّات الفعل الظرفية، ويسعى بجدية إلى تصحيح المسار، وتحسين أوضاع اللاجئين، واستعادة الأونروا لدورها الحقيقي كمسؤولية دولية لا يجوز التفريط بها أو إدارتها بعقلية تقليص الحقوق.

موضوعات ذات صلة