لم يعد التعليم الفلسطيني في مخيمات لبنان مجرد خدمة إنسانية مؤقتة تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، بل أصبح اليوم ميدانًا للصراع بين السياسات الإدارية والحقوق الوطنية، حيث تُفرض القرارات التعسفية على عشرات آلاف الطلاب والمعلمين تحت ذرائع مالية تبدو مبررة على الورق لكنها تتحول إلى هجوم مباشر على صمود الهوية الفلسطينية.
وفي قلب هذه الأزمة يقف اسم بارز دوروثي كلاوس مديرة شؤون الأونروا في لبنان التي تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية المباشرة عن الانهيار التدريجي للعملية التعليمية.
مدارس الأونروا: صمود في مواجهة الإهمال
تشرف الأونروا في لبنان على أكثر من ستين مدرسة يرتادها نحو 35–40 ألف طالب فلسطيني يمثلون جيلًا محرومًا أصلاً من التعليم الرسمي والعمل القانوني، وهذه المدارس ليست مجرد فضاءات تعليمية بل من المفترض أن تكون حصوناً للهوية الوطنية الفلسطينية ورافعة للذاكرة الجماعية في المخيمات ورافد أساسي من روافد الصمود الاجتماعي والسياسي.
ومع ذلك يجري اختزال هذه المؤسسات إلى أرقام وكلفة مالية بينما تحول المعلم إلى عبء على الإدارة العليا والمدرسة إلى بند يمكن التضحية به تحت شعار العجز المالي وهو ما يعكس تجاهلًا كاملًا لدور الوكالة الأممية الوطني والإنساني.
كلاوس: إدارة أزمة أم هندسة انهيار؟
منذ تولّي دوروثي كلاوس إدارة شؤون الأونروا في لبنان شهد القطاع التعليمي تدهورًا غير مسبوق.. فالسياسات التعليمية التي صاغتها ونفذتها كلاوس لم تكن مجرد تدابير تقنية لمواجهة عجز الموارد، فرفع أعداد الطلاب في الصفوف إلى مستويات خانقة وتقليص التوظيف وتجميد التثبيت الوظيفي وفصل معلمين أو توقيفهم على خلفية نشاط نقابي لم تكن إجراءات تحمي العملية التعليمية بل خطوات منهجية تهدف إلى إضعاف المدارس والمعلمين والطلاب.
والأخطر أن إدارة كلاوس اعتمدت أسلوبًا صارمًا في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية مع محاولة تصويرها على أنها مصادر إزعاج يجب كبحها بدل التعامل معها كصرخة مشروعة لمجتمع يرفض المساس بمستقبل أطفاله.
ولا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن الهجمة السياسية على الوكالة ومحاولات تفريغها من دورها كشاهد أممي على قضية اللاجئين الفلسطينيين.. فاستهداف التعليم ليس مصادفة بل خطة متكاملة لشل قدرة المخيمات على نقل الوعي الوطني إلى الأجيال القادمة وضرب أحد أعمدة الصمود الفلسطيني الأكثر فاعلية.. فمدارس الأونروا اليوم ليست مجرد مكان للدرس بل ميدان للهوية والمقاومة وأي مساس به يعني ضربًا للحق الفلسطيني في المعرفة والصمود.
مطالب عاجلة وواضحة
غياب أي تحرك سياسي فلسطيني رسمي في الفترة السابقة عمّق الأزمة، فالسكوت أمام الهجوم على التعليم يعني عمليًا التفريط بإحدى أدوات الصمود الوطني الأهم وتحويل الصمت إلى موقف سلبي.. والشارع الفلسطيني مؤخراً كان يعلي صوته لإلزام منظمة التحرير الفلسطينية بالتحرك الفوري وممارسة الضغط السياسي على إدارة الأونروا لضمان حماية العملية التعليمية وصون الهوية الوطنية..
وبعد التقليصات الأخيرة التي طالت الكل الفلسطيني من موظفين وطلاب، بدت مطالب الكل الفلسطيني واضحة وعاجلة وأهمها الوقف الفوري للتقليصات التعسفية واستعادة كامل حقوق المعلمين وخفض أعداد الطلاب في الصفوف لضمان بيئة تعليمية صالحة وفتح حوار مباشر ومستمر مع اللجان الشعبية والمجالس الأهلية لمشاركة المجتمع الفلسطيني في صنع القرار التعليمي إضافة إلى مراجعة المناهج والسياسات الإدارية بما يضمن الحفاظ على الهوية الوطنية وصون حقوق الطلاب.
مدارس الأونروا: العمود الفقري للتعليم الفلسطيني
فعمل وكالة الأونروا ليس مجرد خدمة إنسانية تتحنن بها الوكالة على اللاجئين الفلسطينيين، بل خط صمود استراتيجي وحصن للهوية والذاكرة الفلسطينية.. فالطالب الفلسطيني محاصر بخيارين وحيدين: إما مدارس الأونروا التي تمثل العمود الفقري للتعليم الفلسطيني في المخيمات، أو المدارس الخاصة المكلفة التي تفوق قدراته المالية فيما المدارس الرسمية الحكومية محروم من التسجيل فيها إلا بعد أن يكتمل تسجيل الطلاب اللبنانيون.
وبهذا الواقع يتحول كل تقليص أو إهمال من إدارة الوكالة أو تقاعس فلسطيني رسمي إلى مسؤولية مباشرة عن تدمير مستقبل الجيل الفلسطيني وتهديد صمود الهوية الوطنية.. والتاريخ لن يصفح عن من ترك التعليم والحقوق الفلسطينية ضحية السياسات الإدارية أو الصمت الرسمي.