عند الساعة العاشرة ليلًا، تكون أم خالد قد انتهت من ترتيب المطبخ، ونام أطفالها الثلاثة في الغرفة المجاورة. تجلس قرب النافذة الصغيرة في منزلها داخل مخيم البرج الشمالي، تخرج قطعة قماش بيضاء، وإبرة، وعدة خيوط ملوّنة، وتبدأ عملها.
لا صوت في المكان سوى حركة الخيط بين أصابعها، وأنفاس الأطفال النائمة.
“هذا الوقت الوحيد الذي أستطيع أن أعمل فيه”، تقول بهدوء.
لم تكن أم خالد تتخيّل يومًا أن يصبح التطريز مصدر رزق. تعلّمته من والدتها وهي صغيرة، للزينة فقط. كانت تطرّز الوسائد والمفارش في المناسبات. اليوم، تطرّز لتدفع فاتورة الكهرباء، وتشتري الدواء، وتؤمّن مستلزمات المدرسة.

بين البيت والعمل
في مخيم الرشيدية، تجلس أم محمد على الأرض قرب طاولة صغيرة. أمامها قطعة قماش لم تكتمل بعد. ترفع رأسها بين الحين والآخر لتتفقد ابنها الصغير.
“إذا توقفت يومًا عن العمل، نخسر هذا الدخل القليل”، تقول.
نهارها موزّع بين الطبخ، والتنظيف، ومتابعة الأولاد، ثم ساعات التطريز ليلًا. لا إجازات، ولا مواعيد ثابتة. العمل مرتبط بقدرتها الجسدية وبمزاج السوق.
خيوط من أجل البقاء
رغم الجهد الطويل، لا يعني ذلك دخلًا ثابتًا. قطعة واحدة قد تستغرق أيامًا، وربما تُباع بسعر لا يغطي تكلفتها.
“أحيانًا نعمل أسبوعًا كاملًا على قطعة، ونبيعها بثمن بسيط”، تقول أم خالد.
الخيوط غالية، القماش أغلى، والطلب غير منتظم. كثيرًا ما تتراكم القطع في الخزانة بانتظار مشترٍ.
ذاكرة لا تريد أن تموت
رغم التعب، ترفض النساء التخلي عن هذه الحرفة. بالنسبة لهن، التطريز ليس مالًا فقط.
“هذه غرز من بلادنا”، تقول أم محمد وهي تشير إلى أحد النقوش. “تعلمناها من أمهاتنا.”
كل قطعة تحمل شكل قرية، أو شجرة، أو قصة قديمة. في هذه البيوت الصغيرة، تُحاك الذاكرة مع كل غرزة.
وحدة تخففها المشاركة
أحيانًا، تجتمع أكثر من امرأة في بيت واحد. يعملن، يتحدثن، يضحكن، يشكين.
“عندما نكون معًا، ننسى الهم قليلًا”، تقول إحداهن.
التطريز يصبح مساحة لقاء، لا مجرد عمل.
مستقبل غير واضح
لا تعرف أم خالد إن كانت ستستمر بعد سنوات. جسدها يتعب، وعيناها تضعفان.
“لكن ماذا نفعل؟ لا خيار آخر”، تقول.
في الرشيدية والبرج الشمالي، تعيش مئات النساء القصة نفسها. يعملن بصمت، بعيدًا عن الضوء، ليحافظن على بيوتهن واقفة.
بين الإبرة والخيط، تكتب نساء المخيمين حكاياتهن اليومية. لا يطلبن الكثير، فقط حياة أقل قسوة، وفرصة عادلة للعمل.
حتى ذلك الحين،
سيبقين يطرّزن… ليعشن.