| | |

مستشفى حيفا.. بين اللاجئ والمسؤول

في قلب مخيم برج البراجنة في العاصمة اللبنانية بيروت، ووسط الأزقة الضيقة والمباني المكتظة يقف مستشفى حيفا الذي يحمل اسم المدينة الفلسطينية المحتلة كخط الدفاع الأول عن حياة آلاف اللاجئين.. لكن وراء واجهته الطبية يكشف الواقع اليومي عن أزمة مستمرة بين الضغط الهائل على الطواقم الطبية ومحدودية الموارد ونقص المعدات.

فمستشفى حيفا لم يعد مجرد مبنى بل أصبح مختبرًا حيًا للصمود والصراع المستمر بين جهود إدارة تسعى لتغطية النقص وبين سكان مخيم يعانون يوميًا من قصور الخدمات الأساسية.

من مركز حروق إلى مركز صحي

تأسس مستشفى حيفا في ثمانينات القرن الماضي خلال حرب المخيمات كمركز لعلاج الحروق، ومع سقوط أعداد كبيرة من الجرحى أصبح المستشفى ملاذًا ضروريًا لا يمكن الاستغناء عنه خصوصًا مع الحصار وصعوبة الوصول إلى المستشفيات خارج المخيم.

لاحقًا، تولّت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إدارة المستشفى الذي أصبح يضم اليوم أقسام الجراحة والعناية الفائقة والتوليد والطوارئ والمختبر والأشعة والصيدلية، ويخدم آلاف اللاجئين يوميًا خاصة بعد تراجع خدمات وكالة الأونروا.

الإدارة: جهود موجودة لكن غير كافية

أكد مدير المستشفى الدكتور خليل مهاوش في حديث خاص مع موقع صدى، أن المستشفى مجهّز لتقديم خدمات طبية شاملة على مدار اليوم مع تغطية جميع الاختصاصات خلال الفترة الصباحية، فيما يتابع الأطباء المناوبون الحالات الطارئة مساءً مع إمكانية استدعاء الأخصائيين عند الحاجة لضمان الرعاية الكاملة لكل المرضى.

وقال مهاوش إن قسم الطوارئ يحتوي على غرف متخصصة للكسور والجروح والعزل وأمراض القلب والمراقبة والجراحات الصغرى، وأن المستشفى يوفر جميع الفحوصات الأساسية بما فيها فحوصات الدم والكيمياء والأملاح، مع تحويل الحالات النادرة إلى مختبرات متخصصة خارج المستشفى.

وعن أقسام العمليات والتوليد، قال مهاوش إن المستشفى أعاد تنظيم وتجهيز قسم التوليد بالكامل مع توفير غرف جديدة ومعدات حديثة كما جهز قسم العمليات لإجراء عمليات المنظار، ويستقبل دوريًا فرق طبية متخصصة للأطفال لتقديم أفضل رعاية ممكنة.

وأشار إلى أن المستشفى يدير مركزين لغسيل الكلى، ويعمل على إنشاء مركز إضافي داخلي بالتعاون مع فرق طبية وهندسية دولية لتوسيع خدمات غسيل الكلى وتلبية احتياجات المرضى المنتظمين، مؤكداً أن الهدف أن يكون المستشفى قادرًا على تقديم خدمات طبية متكاملة لجميع سكان المخيم والمناطق المحيطة.

أصوات الأهالي: بين الحاجة والانتقاد

يؤكد أهالي المخيم إلى أن مستشفى حيفا يشكّل نقطة أساسية في حياة آلاف السكان في المخيم والمناطق المحيطة، حيث يمثل الملاذ الأول للرعاية الطبية الطارئة وخدمات الولادة والفحوصات اليومية. ويبرز دور المستشفى بشكل خاص لأولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى المستشفيات الخاصة ما يجعل استمرار تطويره وتوسيع خدماته حاجة حياتية لا يمكن تأجيلها.

ويشير أحد السكان في حديث مع موقع صدى إلى المعاناة اليومية لمرضى غسيل الكلى الذين يحتاجون لجلسات منتظمة أسبوعيًا ومرضى القلب الذين لا تتوفر لهم متابعة مستمرة داخل المستشفى، ما يجعل الحاجة لتوفير الاختصاصات الطبية والمعدات المتقدمة أمرًا عاجلًا. كما يؤكد إلى أن محدودية بعض الاختصاصات والفحوصات تجبر بعض المرضى على التوجه إلى مراكز أخرى ما يضاعف صعوبة الحصول على الرعاية في الوقت المناسب ويبرز ضرورة تعزيز المستشفى لضمان حصول كل مريض على العلاج المناسب دون أي عائق.

ويؤكد آخر على الحاجة لتحسين تنظيم قسم الطوارئ وتسريع تقديم الخدمات، مع ضرورة استمرار الدعم المالي وتوفير المعدات الحديثة لضمان استمرارية الرعاية للمرضى الأكثر احتياجًا وخصوصًا لمرضى القلب والكلى، بالإضافة إلى  الحاجة لتوسيع نطاق الخدمات ليصبح المستشفى مركزًا متكاملًا يلبي احتياجات المخيم بأكمله ويعكس صمود المجتمع الفلسطيني وقدرته على مواجهة التحديات اليومية.

الواقع بين الحاجة والمسؤولية

مستشفى حيفا اليوم يشكّل نقطة تماس بين حق اللاجئ في العلاج، ومسؤولية الجهات المشرفة والداعمة. فبين الطموح الإداري وإمكانيات الواقع يقف المستشفى على حافة الضغط المستمر مضطرًا للموازنة بين تقديم خدمات طبية يومية لعشرات آلاف السكان وضغط الطواقم ونقص المعدات وقلة الدعم.

وبين اللاجئ الذي يطرق أبوابه يوميًا بحثًا عن العلاج والمسؤول الذي يحاول الصمود ضمن إمكانيات محدودة، يبقى السؤال الحاسم: هل ستتوفر الموارد والدعم الكافي لضمان استمرار حياة الناس؟ حتى اللحظة يبقى المستشفى صرحًا ضروريًا لكنه بحاجة عاجلة إلى تنظيم ودعم مستمر لضمان أن لا يكون الأمل مجرد شعار، بل حياة تُنقذ يوميًا.

 

موضوعات ذات صلة