حسين منصور – البقاع
في غرفةٍ واحدة لا تتجاوز مساحتها أمتارًا قليلة، ومطبخٍ ضيّق لا يزيد عرضه عن متر واحد، تعيش عائلة فلسطينية نازحة من سوريا فصولًا قاسية من المعاناة اليومية، حيث يتقاطع المرض مع الفقر، وتتحول أبسط الاحتياجات إلى أحلام مؤجلة.
العائلة، المكوّنة من أم أرملة وثلاثة أبناء، شابين وفتاة، لجأت من سوريا إلى لبنان مع اندلاع الأحداث هناك، واستقر بها الحال في مخيم الجليل للاجئين الفلسطينيين. منذ ذلك الحين، لم تتوقف رحلة المعاناة، بل أخذت أشكالًا أكثر قسوة، خصوصًا بعد فقدان المعيل الوحيد للأسرة.

الأب متوفى، والشاب زياد البعريني (23 عامًا) كان السند الأساسي لوالدته وإخوته، يحاول بجهده المحدود تأمين قوت يومهم، إلى أن تعرض قبل فترة لإصابة في قدمه، تحولت سريعًا إلى جرح خطير، بسبب معاناته من مرض السكري.
إصابة تهدد الحياة
تقول والدة زياد، بصوتٍ يختلط فيه القلق بالألم: “ابني مريض سكري، وعندما أُصيب في قدمه ساء وضعه كثيرًا، فالجرح لم يلتئم، وبدأنا نخاف أن نخسره أو أن تُبتر قدمه”.
حالة زياد الصحية تدهورت بشكل سريع، فالجرح الذي قد يبدو بسيطًا عند الأصحاء، شكّل تهديدًا حقيقيًا لحياته، في ظل حاجته إلى متابعة طبية دقيقة، وتغيير شبه يومي للضمادات، إضافة إلى أدوية مكلفة لا قدرة للعائلة على تأمينها.
ومع اشتداد الخطر، تواصلت العائلة مع فريق إسعاف جمعية الشفاء في بعلبك، الذي تدخل بشكل طارئ، وبدأ بمتابعة حالة زياد داخل المنزل، من خلال تضميد الجرح يوميًا، وتأمين الاستشارات الطبية مع أطباء مختصين.

وتؤكد الأم أن هذا التدخل كان حاسمًا: “لولا مساعدة فريق الإسعاف، لكان وضع ابني أسوأ، وربما أصيب بالغرغرينا، لكن رغم التحسن البسيط، ما زال بحاجة إلى أدوية كثيرة وعلاج مستمر”.
فقر يضاعف المعاناة
غير أن المرض ليس وحده ما يثقل كاهل العائلة. فالوضع المعيشي لا يقل قسوة، إذ تعيش الأسرة في منزل يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. لا أثاث كافٍ، ولا أدوات مطبخ أساسية، ولا فرن للطهي، فيما تشكل المواد الغذائية عبئًا يوميًا لا يمكن تلبيته.
وتوضح الأم أن بعض الخيرين من أبناء المخيم حاولوا المساعدة، فتم تأمين مدفأة تعمل على المازوت، وبراد صغير لحفظ إبر الأنسولين، إلا أن هذه المبادرات لم تحلّ المشكلة بالكامل. “لا أملك مادة المازوت للتدفئة، ولا أستطيع تشغيل المدفأة إلا لفترات قصيرة جدًا، مع أن أولادي مرضى سكري ويحتاجون إلى الدفء”، تضيف بحسرة.

حياة أقسى من المرض
المعاناة تتضاعف مع وجود ابن آخر مريض بالسكري، إياد (21 عامًا)، الذي يحتاج بدوره إلى أدوية دائمة، ومتابعة طبية وفحوصات دورية، ما يجعل التكاليف الصحية فوق قدرة العائلة تمامًا.
إلى جانب ذلك، تواجه الأسرة أعباء إضافية، من إيجار المنزل إلى فاتورة الكهرباء، وسط غياب أي مصدر دخل ثابت. “حتى لقمة الخبز لا أستطيع تأمينها”، تقول الأم، في جملة تختصر حجم المأساة.
قصة عائلة زياد البعريني ليست حالة فردية، بل نموذج لمعاناة مئات العائلات الفلسطينية النازحة من سوريا، التي وجدت نفسها محاصرة بين المرض والفقر، في ظل أوضاع اقتصادية خانقة، وغياب الدعم الكافي.
وفي مخيم الجليل، كما في غيره من المخيمات، تتحول الجراح المفتوحة إلى عنوان يومي للألم، فيما تبقى هذه العائلات معلّقة على أمل تدخل إنساني عاجل، يخفف من قسوة الواقع، ويمنح أبناءها فرصة للعيش بكرامة، بعيدًا عن شبح المرض والعوز.