استلام الحواجز: تنظيم أمني أم فصل جغرافي وإنساني؟

الكاتبمحمد ميعاري

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو مخيم البداوي مع استلام الجيش اللبناني للحواجز الرئيسية، تخرج علينا بعض المنصات الإعلامية في طرابلس بروايات مجتزأة، تارةً تلبس لبوس “الارتياح” وتارةً أخرى تُصوِّر المخيم وكأنه كان مصدراً للتهديد و”البُعبُع”. ومن منطلق الأمانة الصحفية ومتابعتي لنبض الشارع وهموم الناس ، أجد من الواجب وضع النقاط على الحروف بعيداً عن البروباغندا المشبوهة.

تاريخ من الاحتضان.. لا التهديد
إن من يقرأ تاريخ الشمال بإنصاف، يدرك أن مخيم البداوي لم يكن يوماً “جزيرة معزولة” أو مصدر تهديد، بل هو جزء أصيل من النسيج الطرابلسي والشمالي. هو نفسه المخيم الذي تجمعه بجواره في القبة والمينا والبداوي والزاهرية علاقات مصاهرة ونسب تجعل من فصل الشعبين أمراً مستحيلاً. نحن نتحدث عن ناس وطنيين، يجمعهم همّ معيشي واحد، وتجارة مشتركة، ومصير لا يتجزأ. فرغم الفقر والحرمان، بقي مخيم البداوي الأقل انخراطاً في الصدامات الداخلية، وحافظ على علاقات متوازنة مع محيطه اللبناني، ونشأت فيه مبادرات مشتركة إغاثية وشبابية وتعليمية. وهذا يُحسب لأهله الفلسطينيين واللبنانيين معاً.

تنسيق أمني.. والتزام تاريخي
إن ما يجب التأكيد عليه هو أن الدولة اللبنانية تعمل بتنسيق مباشر مع اللجنة الأمنية والفصائل الفلسطينية لبسط الأمن. وهذا ليس أمراً جديداً، بل هو واقع تاريخي، بالأخص مع مخيم البداوي الذي يُبدي التزاماً وتفاهماً راسخاً مع دولة لبنان وأجهزتها الأمنية. هذا التنسيق الذي أثمر على مدى عقود استقراراً نسبياً، لا يمكن أن يُختزل اليوم في روايات إعلامية تُصوِّر الأمر وكأنه “انتصار” على خصم أو “سيطرة” على منطقة خارجة عن القانون.

مضافة للنازحين..
أهل البيت والأرض وفي أحلك لحظات المحنة، عندما شنّت “إسرائيل” عدوانها الأخير على لبنان، كان مخيم البداوي وجلّ المخيمات الفلسطينية التي كانت آمنة نسبيًا من القصف، مضافة مفتوحة لأهلنا النازحين دون النظر إلى هوية أو مذهب أو دين. فهم أهل البيت والأرض، والفلسطيني ينظر إلى فلسطين بعين التحرير والتمسك بحق العودة.

الأمن الحقيقي مقابل “الحصار الإنساني”
خلافاً لما يُروَّج له من “ارتياح شعبي” مطلق، يجب أن نكون واقعيين: لا أمن حقيقي دون كرامة إنسانية. إن استلام الحواجز يجب أن يكون خطوة نحو التسهيل لا التضييق. فبأي منطق نتحدث عن “الاستقرار” بينما يعاني سكان المخيم من ضغوط إنسانية قاسية، بدءاً من تأثير الإغلاقات للمداخل الفرعية والتأثير الاقتصادي على أصحاب المحال التجارية وأهالي الأحياء، وليس بعيدًا عنا هموم بقية المخيمات الفلسطينية من منع إدخال مواد البناء وصولاً إلى تعقيد حركة الاحتياجات الأساسية. والأدهى من ذلك: التضييق على الحواجز وعدم المبالاة بالاحتياج الإنساني، من خروج سيارات الإسعاف لنقل المرضى، وسيارات الدفاع المدني للمساعدة في المهمات الإنسانية. وهذا في جوهره يتناقض مع لهفة الفلسطيني للمساعدة والوقوف بجانب جيرانه وأصدقائه وأهله. إن “الأمن” الذي يؤدي إلى خنق الناس اقتصادياً وإنسانياً هو أمن منقوص. والارتياح الحقيقي لا يأتي إلا برفع المظلومية عن مخيماتنا، وضمان انسيابية الحياة اليومية .. والكثير من الفلسطينيين يقولون بوضوح: “لسنا عبئاً على لبنان، لكننا ضيوف قسراً… وأهل البيت لم يقصّروا معنا.”

إعلام الشبهات وتزييف الواقع
من المؤسف أن نرى بعض الصفحات الطرابلسية تنزلق نحو خطاب “الشيطنة” أو التبشير بإجراءات أمنية وكأنها انتصار على “عدو”. هذا الإعلام بعيد كل البعد عن الاتزان والمسؤولية؛ فالإعلام الحقيقي هو الذي يسلط الضوء على معاناة الناس ويطالب بحقوقهم، لا الذي يبرر سياسات العزل. إن هؤلاء الناس يأتون إلى طرابلس للتجارة والعمل، يحرّكون أسواقنا ونحرّك أسواقهم، وأي محاولة لزرع الريبة بينهم وبين محيطهم هي خدمة لأجندات لا غير. وبعض أبواق الصفحات المأجورة لن تُفلح في شيطنة المخيم وتصويره كـ”حفرة سوداء” وسط حقل أخضر تملؤه العصافير. الواقع أبلج، والحقيقة أقوى من كل محاولات التزييف.

خاتمة
إننا مع تنظيم الأمور تحت سقف الدولة، لكننا نرفض أن يُتخذ الأمن ذريعة لزيادة معاناة أهلنا في المخيم. الاستقرار الحقيقي هو الذي يحفظ كرامة الإنسان، ويؤمّن لقمة عيشه، ويحترم الروابط التاريخية التي جعلت من البداوي وطرابلس قلباً واحداً في جسدين.

موضوعات ذات صلة