تتصاعد حالة من القلق الشديد داخل أروقة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” جراء التوجهات الأخيرة التي تفرض قيوداً صارمة على تواصل اتحادات الموظفين مع الدول المضيفة، حيث اعتبر مراقبون أن هذا القرار يتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً ليصبح سياسة ممنهجة تهدف إلى “تكميم الأفواه” وعزل الموظف تماماً عن سنده القانوني والسياسي، مما يجعله طرفاً أعزلاً في مواجهة قرارات مصيرية تُطبخ بعيداً عن الرقابة.
تتمثل خطورة هذه القيود في كونها محاولة ممنهجة لكسر “الحصانة النقابية” وتحويل العلاقة بين الموظف والإدارة من شراكة قائمة على الحقوق إلى تبعية مطلقة، حيث يهدف حظر التواصل مع الدول المضيفة إلى عزل الاتحادات عن عمقها الاستراتيجي وتجريدها من القدرة على الضغط السياسي أو المطالبة بالضمانات الدولية، مما يفتح الباب لاستفراد الإدارة بالقرار دون رقابة نقابية فاعلة.
هذا المسلك لا يكتفي بإسكات الصوت المدافع عن الحقوق المعيشية، بل يُعد أداة لتمرير سياسات “إعادة الهيكلة” التي تستهدف تقليص الالتزامات المالية تجاه تعويضات الموظفين، وتسهيل عملية الانسحاب التدريجي من الخدمات الأساسية عبر تغييب الشاهد الوحيد على هذه التجاوزات، وهو ما يحول الموظف من حارس لقضية اللاجئين إلى مجرد أداة وظيفية مجردة من التأثير والحماية.
ويرى نقابيون أن الإصرار على تغييب التمثيل الشرعي للموظفين في الحوارات الدولية يبرهن على وجود أجندات يراد تمريرها خفية، مؤكدين أن الجهة التي تنشد الشفافية لا تخشى الحوار، بينما يهدف كسر قنوات التواصل إلى تجريد الموظف من حمايته المهنية، وهو ما يمهد الطريق للسطو على الحقوق المكتسبة وعلى رأسها تعويضات نهاية الخدمة التي تشكل ثمرة عقود من البذل والعطاء، لتصبح اليوم في مهب الريح أمام قرارات جائرة تهدد الأمان المعيشي لآلاف العائلات.
وفي سياق متصل، يتجاوز هذا الاستهداف الجانب الوظيفي ليمس جوهر قضية اللاجئين، إذ يُنظر إلى تقليص الخدمات الممنهج كتمهيد فعلي لإلغاء الدور التاريخي للوكالة وتصفية قضية اللاجئين من بوابتها الخدماتية، وهي خطوة تتقاطع مع محاولات تدمير القطاع التعليمي عبر الإضرار المتعمد بالعملية التربوية، ما يدفع الطلاب قسراً نحو بدائل تعليمية أخرى ويفرغ المؤسسة من محتواها الوطني والتعليمي الذي صان الهوية الفلسطينية لعقود.
إن تحويل الموظف إلى “طرف بلا صوت” ليس إلا الخطوة الأولى لفرض أمر واقع ينهي مستقبله المهني ويقوض الثوابت التاريخية، حيث تهدف سياسة كسر الحماية النقابية إلى الاستفراد بالموظف واللاجئ على حد سواء، مما يستوجب وقفة جادة لمواجهة هذه الإجراءات التي تسعى لتفكيك الأونروا من الداخل عبر بوابة التضييق على الحريات النقابية والالتفاف على الحقوق المشروعة.
