|

فلسطينيو لبنان بين التضييق والتقليص والسياسات الطاردة

تشهد المخيمات الفلسطينية في لبنان حالة من التضييق المتصاعد الذي يتجاوز الإجراءات الأمنية الروتينية، حيث تصاعدت في الآونة الأخيرة الضغوط لنزع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وربطه بمسارات سياسية لا تضمن حقوق اللاجئين الإنسانية.

وقد أدى هذا المناخ إلى زيادة الرقابة على المداخل والمخارج وتقييد دخول مواد البناء اللازمة لترميم المنازل المتهالكة، مما حول المخيمات إلى مساحات معزولة تعاني من تدهور بنيوي حاد.

هذا التضييق يهدف في جوهره إلى خلق بيئة طاردة للسكان، حيث يُنظر إلى المخيم كبؤرة أمنية بدلاً من كونه مجتمعاً لاجئاً له حقوق إنسانية وقانونية يجب حمايتها.

​كما تتعرض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في لبنان لموجة غير مسبوقة من تقليص الخدمات التي طالت العصب الحيوي لحياة اللاجئين، حيث أعلنت الوكالة مع مطلع عام 2026 عن إجراءات تقشفية قاسية شملت خفض ساعات عمل الكوادر التعليمية بنسبة تصل إلى 20%، مما أدى إلى اكتظاظ هائل في الفصول الدراسية وتراجع جودة التعليم.

ولا تقتصر هذه التقليصات على الجانب التربوي، بل امتدت لتشمل الرعاية الصحية وتجميد التوظيف وفصل عدد من الموظفين، وهو ما يراه مراقبون استجابة مباشرة لضغوط التمويل الدولية الرامية إلى إنهاء دور الوكالة كشاهد سياسي وقانوني على حق العودة، وتحويل مسؤولياتها تدريجياً إلى مؤسسات الدولة المضيفة أو المنظمات الدولية الأخرى تمهيداً لتصفية قضية اللاجئين.

تصاعد القيود على العمل والحرمان من الحقوق الاقتصادية

يواجه اللاجئ الفلسطيني في لبنان ترسانة من القوانين والقرارات التي تحرمه من ممارسة عشرات المهن، خاصة المهن الحرة والنقابية، مما رفع معدلات الفقر إلى مستويات كارثية تتجاوز 85% في معظم التجمعات الفلسطينية.

وبالرغم من الدعوات المتكررة لتعديل القوانين بما يضمن حق العمل كحق إنساني، إلا أن القيود الإدارية والتعقيدات المرتبطة بإجازات العمل لا تزال تشكل عائقاً أمام الشباب الفلسطيني، مما يدفعهم قسراً نحو القطاعات غير المنظمة بظروف وشروط مجحفة.

هذا الحرمان الاقتصادي الممنهج يفرغ الوجود الفلسطيني من قدرته على الاستمرار والإنتاج، ويجعله رهينة للمعونات الإغاثية التي هي أصلاً في طريقها للتلاشي.

وحول هذه التحديات يؤكد محمد الشولي، مسؤول العلاقات والإعلام في مؤسسة “شاهد” لحقوق الإنسان، أن الأوضاع المعيشية للاجئين الفلسطينيين تشهد تفاقماً يومياً غير مسبوق، حيث يجد اللاجئ نفسه محاصراً بين سندان القوانين المحلية التي تحرمه من أبسط حقوقه المدنية والاجتماعية والسياسية، ومطرقة التراجع الحاد في خدمات وكالة الأونروا.

وأوضح الشولي لصدى الشتات أن حرمان اللاجئ من حقوق أساسية كالتملك والعمل يمثل العائق الأكبر أمام قدرته على الصمود وتأمين لقمة العيش الكريمة، مما يحول المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع استهلاكي يعاني من التهميش القسري.

وفي قراءة للمشهد الإغاثي، أشار الشولي إلى أن الواقع قد ازداد تعقيداً منذ تموز العام الماضي، وذلك مع اتخاذ وكالة الأونروا قراراً بإيقاف برنامج “العسر الشديد” الذي كان يمثل شبكة الأمان الأخيرة للفئات الأكثر هشاشة.

واعتبر أن هذا الإجراء ليس مجرد تقنين للمصاريف، بل هو إنذار حقيقي يعطي مؤشرات واضحة بأن الوكالة قد تتجه مستقبلاً نحو إلغاء خدماتها بالكامل، وهي سياسة تضع حياة آلاف اللاجئين على المحك وتزيد من حالة الإحباط واليأس داخل المخيمات.

كما شدد الشولي على أن طبيعة المرحلة الصعبة تفرض مسؤوليات عاجلة على كل من وكالة الأونروا والدولة المضيفة، حيث بات من الضروري العمل على تسهيل انخراط اللاجئين في سوق العمل ورفع القيود القانونية عنهم لتخفيف الأعباء المعيشية الخانقة.

واختتم رؤيته بالتأكيد على أن استمرار هذه التقليصات الممنهجة لا يهدد الاستقرار المعيشي فحسب، بل يرسل رسائل قاتمة حول مستقبل قضية اللجوء ودور المؤسسات الدولية في حماية حقوق الإنسان الأساسية للاجئ الفلسطيني.

انخفاض أعداد اللاجئين ومؤشرات التهجير

سجلت الإحصائيات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فعلياً في لبنان، وهو ما يفسره الخبراء بـ “التهجير الصامت” عبر قوارب الموت أو الهجرة القانونية والشرعية لمن استطاع إليها سبيلاً.

ويعود هذا الانخفاض إلى انسداد الأفق السياسي والاقتصادي، وغياب الحماية القانونية، والبحث عن كرامة إنسانية في بلدان اللجوء الأوروبية.

إن تفريغ لبنان من الوجود الفلسطيني بهذه الطريقة المتدرجة يمثل شاهداً واقعياً على محاولات تصفية القضية عبر إضعاف الكتلة البشرية اللاجئة، مما يسهل لاحقاً تمرير مشاريع التوطين أو التذويب في مجتمعات الشتات البعيدة، بعيداً عن حدود فلسطين التاريخية.

وفي ظل هذه التحديات حذر مسؤول العلاقات الإعلامية في حركة حماس في لبنان محمود طه من أزمة وجودية غير مسبوقة تواجه اللاجئين الفلسطينيين مع مطلع عام 2026، معتبراً أن تداخل الأزمات المالية والسياسية والقانونية يضع المخيمات في مواجهة مباشرة مع مخططات التهجير.

وأكد طه أن العجز المالي الحاد الذي تعاني منه وكالة “الأونروا”، والذي تجاوز 220 مليون دولار، ليس مجرد تعثر اقتصادي بل هو انعكاس لقرار دولي بتصفية قضية اللاجئين عبر تجفيف منابع الدعم وتدمير القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم،

وفيما يخص الواقع الميداني، شدد طه على أن استقرار المخيمات يتحقق عبر تعزيز صمود سكانها وتأمين حقوقهم الإنسانية، وليس من خلال سياسات التضييق التي تخنق المفاصل الحياتية والاجتماعية للفلسطينيين، داعياً الجهات الرسمية في لبنان إلى مراجعة هذه الإجراءات التي تزيد من وطأة الانفجار الاجتماعي الوشيك.

كما تطرق مسؤول العلاقات الإعلامية إلى “الحصار المهني” المفروض على الخريجين الشباب، مستنكراً استمرار حظر الفلسطينيين من ممارسة أكثر من 70 مهنة نقابية، وإضافة قيود جديدة على قطاع التمريض الذي كان يمثل متنفساً أخيراً للكوادر الطبية.

وأوضح طه أن هذه السياسات، إلى جانب غياب الحماية القانونية في سوق العمل غير الرسمي، تسببت في بطالة هيكلية دفعت بآلاف العائلات تحت خط الفقر المدقع، وجعلت من “قوارب الموت” عبر البحر خياراً مأساوياً للهروب من واقع يصفه اللاجئون بـ “الإعدام البطيء”.

واختتم محمود طه تصريحاته بالإشارة إلى الخطورة البالغة لانخفاض عدد اللاجئين المقيمين فعلياً في لبنان، معتبراً أن هجرة الشباب القسرية هي نتائج مباشرة لغياب الأفق القانوني والاستقرار المعيشي.

وأكد أن حركة حماس تتمسك بحق العودة كحق مقدس لا تنازل عنه، لكنها في الوقت ذاته تحمل المجتمع الدولي والدول المضيفة مسؤولية توفير مقومات الصمود للاجئ الفلسطيني، محذراً من أن إفراغ مخيمات لبنان من سكانها هو جزء من مشروع صهيوني أوسع يهدف لإنهاء ملف الشتات الفلسطيني وتمرير مشاريع التوطين والتهجير القسري.

​إن ما تشهده الساحة الفلسطينية في لبنان مع مطلع عام 2026 ليس مجرد أزمة عابرة أو نقص في التمويل، بل هو منعطف تاريخي يهدف إلى إعادة صياغة ملف اللجوء بعيداً عن الثوابت السياسية والقانونية.

ومع تلازم “تفكيك” خدمات الأونروا مع “تضييق” الخناق الاقتصادي والأمني يضع اللاجئ الفلسطيني أمام خيارين أحلاهما مر: إما الذوبان في معاناة معيشية لا تنتهي، أو ركوب البحر بحثاً عن كرامة مفقودة فيما يُعرف بـالتهجير الصامت.

موضوعات ذات صلة