في المخيمات الفلسطينية المكتظة في لبنان تتكرر الاشتباكات بين الفصائل حتى وإن كانت محدودة مكانياً، لتصيب الأهالي بحالة من القلق الدائم. فمخيم عين الحلوة مثلاً شهد مؤخراً مواجهات مسلحة في منطقة البركسات بين عناصر من الأمن الوطني الفلسطيني ما أسفر عن جرحى تم نقل أحدهم لتلقي العلاج خارج المخيم. وفي مخيمي برج البراجنة والبداوي سجلت توترات مماثلة عكست هشاشة القدرة على ضبط الأمن بسرعة، وحوّلت أي خلاف صغير إلى أزمة تؤثر على حياة السكان.
هذا الواقع يفرض على الأهالي معاناة متزايدة من التوتر المستمر الذي يمنع الأطفال من الخروج إلى المدارس أو اللعب في الشوارع ويعطل الأعمال اليومية ويزيد الضغط الاقتصادي، وفي ظل هذه البيئة يصبح الشعور بعدم الأمان جزءاً من الواقع اليومي للمخيمات ويترك السكان في مواجهة مباشرة مع واقع أمن هش ومفتوح على أي تصعيد محتمل.
تعدّد المرجعيات الأمنية: شبكة حماية أم مصدر ضعف؟
الواقع داخل المخيمات يظهر أن التعددية في المرجعيات الأمنية التي يفترض أن تكون شبكة حماية غالباً ما تتحول إلى عامل ضعف، فكل فصيل يفرض سلطته على منطقة محددة ما يمنع وجود آلية موحدة للتدخل عند أي حادثة، وأي خلاف يتحوّل سريعاً إلى أزمة بسبب التجاذبات السياسية ويضع الأهالي أمام شعور متزايد بعدم العدالة وانعدام الثقة بالفصائل القائمة.
يوضح النّاشط الفلسطيني محمد حسون أن كل منطقة في مخيم عين الحلوة مرتبطة بالقواطع التي يسيطر عليها كل فصيل سياسي، وكل واحد يحاول فرض الأمن داخل نطاقه فقط بينما القرار السياسي الفلسطيني الموحد معطّل أو غير مطبّق بشكل كامل بسبب تدخلات سياسية تمنع تنفيذ الإجراءات على الأرض.
ويضيف أن أول خطوة عملية لتحسين الوضع الأمني هي تفعيل هذا القرار عبر المؤسسات الفلسطينية الرسمية، مع مراعاة خصوصية كل مخيم إذ تختلف الحلول حسب طبيعة السيطرة والتنظيم الداخلي لكل فصيل.
القوة الأمنية المشتركة: خيار لا يمكن تأجيله
ففي ظل هذه الأزمات المتكررة، تُطرح فكرة تشكيل قوة فلسطينية مشتركة لإدارة الأمن تضم كل الفصائل وتعمل وفق آليات تدخل واضحة ومرجعية موحدة لتضع حماية المدنيين في صدارة أولوياتها. ولكن نجاح هذه القوة يعتمد على إرادة فلسطينية حقيقية تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة، وعلى ضمان حيادها ومساءلتها لمنع تحولها إلى أداة صراع جديدة، فالقدرة على توحيد القرار الأمني ومراقبة التنفيذ على الأرض يمكن أن يوفر حماية فعّالة لسكان المخيمات.
حسون يرى أن القوة المشتركة يمكن أن تكون الحل إذا أُعيد تفعيل القرارات الفلسطينية المشتركة على الأرض، مع احترام خصوصية كل مخيم وإشراك المجتمع المحلي في مراقبة عملها وبناء الثقة معها، معتبراً أن أي تقاعس أو تعطيل للقرار السياسي يفاقم التفلت الأمني ويضع المخيمات أمام خطر الانفجار الدائم.
لكن الأمن وحده لا يكفي لضمان استقرار المخيمات، فالفقر والبطالة وغياب الأفق أمام الشباب يجعل أي خلاف صغير قابلاً للانفجار ويحوّل المخيم إلى بيئة خصبة للتوتر المستمر. لذلك يجب أن يرتبط أي حل أمني بخطط اجتماعية وتربوية، تأخذ بعين الاعتبار حياة السكان اليومية وتعيد للمخيم صورته كمكان صمود وحياة وليس كساحة اشتباكات وصراعات تنظيمية فقط.
التعطيل السياسي وفشل الحلول الحالية
الاشتباكات المتكررة في المخيمات الفلسطينية ليست مجرد مصادفات أو خلافات عابرة، بل نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية واضحة ورغم أن تشكيل قوة أمنية فلسطينية مشتركة كان يمكن أن يوفر حماية حقيقية لسكان المخيمات ويضع حدًا للتوترات المتصاعدة، إلا أن بعض الفصائل الفلسطينية تواصل عرقلة تنفيذ هذا الحل لأسباب فصائلية وسياسية ضيقة. هذا التعطيل يمنع تطبيق القرارات السياسية الفلسطينية المشتركة ويترك المخيمات عرضة لأي تفلت أمني، ويجعل كل اشتباك مهما كان صغيراً يحتمل أن يتصاعد بسرعة ليصبح أزمة أكبر.
ومن دون إرادة فلسطينية مشتركة وتغليب مصلحة السكان على الحسابات التنظيمية الضيقة، تبقى المخيمات مسرحاً للتوتر المستمر ويستمر الأهالي في دفع الثمن الأكبر لهذا الواقع. فالمخيمات التي من المفترض أن تكون مساحات حياة وذاكرة وطنية، تحولت إلى ساحات صراع وبالتالي فحمايتها تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى قراراً فلسطينياً موحداً وإجراءات حقيقية لتفعيل القوة الأمنية المشتركة دون تأجيل.