تقرير: فاديا منصور
يواجه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أزمة متفاقمة على صعيد الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وارتفاع معدلات البطالة ونقص الدعم المعيشي.
وقد جاء خفض دوام عيادات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من خمسة أيام إلى أربعة أيام أسبوعيًا ليزيد من معاناة المرضى وكبار السن والعائلات العاجزة، في وقت يفتقر فيه العديد من اللاجئين إلى مصادر بديلة للرعاية الطبية أو الدعم المالي.
وتتجلى آثار هذه الأزمة بوضوح في شهادات عدة شرائح من المجتمع الفلسطيني، بدءًا من كبار السن والمرضى، مرورًا بالشباب العاطلين عن العمل، وانتهاءً بالناشطين الاجتماعيين والسياسيين، الذين أكدوا على ضرورة توحيد جهود المجتمع الفلسطيني لمواجهة التحديات المعيشية والصحية والسياسية، والعمل على إيصال أصواتهم ومطالبهم بشكل موحد وفاعل.

أزمة الرعاية الصحية وخدمات الأونروا
تقول الحاجة فتحية الأحمد، لاجئة فلسطينية من مخيم نهر البارد، إن القوانين والأنظمة التي تُصدر بحجة إعادة التأهيل والرعاية لا تنعكس على واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، متسائلة: «أين حق المسن؟ أين حق المريض؟ أين حق اللاجئ؟ ولماذا يُستثنى الفلسطيني في لبنان من أبسط حقوقه؟»
وتصف الأحمد واقعًا صحيًا قاسيًا، حيث يموت الإنسان على أبواب المستشفيات في ظل غياب العمل والدخل والدعم الصحي، مؤكدة أن اللاجئ الفلسطيني لا يملك ثمن الدواء ولا القدرة على إجراء العمليات الجراحية اللازمة.
وتضيف: «أحتاج إلى دواء للغدة ودواء للعظام ولا أستطيع تأمين ثمنهما، وغيري يحتاج إلى عملية جراحية ولا يملك كلفتها، فماذا يُترك لنا؟ هل يُطلب منا أن نموت بصمت؟»، معتبرة أن ما يعيشه اللاجئون الفلسطينيون اليوم هو أحد أشكال الظلم الإنساني الصارخ.

يتحدث عبد شحادة، لاجئ فلسطيني من مخيم نهر البارد، عن التدهور المتسارع في الأوضاع المعيشية والصحية داخل المخيم، في ظل تقليص خدمات وكالة الأونروا، ولا سيما في ما يتعلق بتأمين الدواء والتحويلات الطبية.
ويؤكد شحادة أن الوكالة أوقفت عمليًا إصدار التحويلات للعلاج، ما حرم المرضى من فرصة تخفيف الأعباء الصحية عنهم، مشيرًا إلى أن العديد من الأدوية الأساسية، بما فيها أدوية السكري والمسكنات، لم تعد متوفرة.
ويضيف أن النقص الحاد في عدد الأطباء داخل العيادات أدى إلى حالة من الفوضى والاحتقان بين الناس، حيث بات المرضى يتدافعون في ظل غياب الرعاية الصحية، معتبرًا أن هذا الواقع يدفع المجتمع نحو التفكك والصراع بدل أن يوفّر له الحد الأدنى من الاستقرار والحماية الإنسانية.

تراجع الخدمات… معاناة يومية وتهديد لحقوق اللاجئين
تؤكد أم محمود، لاجئة فلسطينية، أن القرار الجديد المتعلق بتحديد أيام العلاج في العيادات ليكون أربعة أيام في الأسبوع مع إجازة يوم الجمعة، يفاقم معاناة المرضى، خاصة أولئك الذين يحتاجون للرعاية الصحية يوم الجمعة ولا يملكون القدرة المالية على العلاج خارج المخيم.
وتشير إلى أن هذا الإجراء يعيق استمرار المرضى في تناول أدويتهم الضرورية ويزيد من أعباء حياتهم اليومية، معتبرة أن مثل هذه القرارات تؤثر مباشرة على المجتمع الفلسطيني، وتدعو إلى تكاتف الشعب ووحدته ليكون صوتهم موحدًا أمام أي قرار يمس حقوقهم الصحية.
يشير أبو علاء السبعين، لاجئ فلسطيني، إلى التأثير الكبير للتقليصات في مساعدات الأونروا، والتي يعتمد عليها أكثر من 95% من العائلات في المخيم، لافتًا إلى أن الوضع الاقتصادي الصعب يجعل من الصعب على أي عائلة اللجوء للعلاج أو دفع فواتير خارج نطاق الوكالة.
ويعتبر أن هذه التقليصات ليست مجرد قيود مالية أو إدارية، بل هي جزء من مشروع أوسع يسعى للحد من وجود الأونروا كشاهد على حق الفلسطينيين في العودة، ويصفها بأنها محاولة لطمس القضية الفلسطينية تدريجيًا من خلال تقليص الخدمات الأساسية تدريجيًا حتى فقدان الدور الحيوي للوكالة.

سلة مطالب موحدة… دعوة لتوحيد جهود المجتمع الفلسطيني في المخيمات
يشدد فراس علوش، ناشط فلسطيني، على أهمية توحيد جهود المجتمع الفلسطيني في المخيمات اللبنانية لمواجهة تقصير الجهات المعنية، لا سيما في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
ويؤكد علوش أن الشتات في المطالب الفردية بين الطلاب أو الشؤون الاجتماعية أو أي جهة أخرى يُضعف موقف المجتمع ويحقق هدفًا معاكسًا، وهو تشتت حقوق اللاجئين.
ويدعو إلى وضع سلة واحدة شاملة تشمل كل المطالب، مع تجاهل الخلافات السياسية أو الملاحظات الجانبية، والتركيز على الحقوق الأساسية والصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.

ويشير إلى ضرورة أن يكون المجتمع الفلسطيني واعيًا ومتماسكًا، وأن يستخدم كل القنوات المتاحة لإيصال صوت المخيمات ومتابعة تنفيذ المطالب الجماعية بشكل فعّال، مع مراقبة الأداء والضغط على الجهات المسؤولة لضمان الاستجابة لاحتياجات السكان.
تظهر شهادات اللاجئين الفلسطينيين في مخيم نهر البارد حجم المعاناة اليومية نتيجة تقليص الخدمات الصحية والمعيشية. تؤكد هذه الأصوات على ضرورة تكاتف المجتمع الفلسطيني وتوحيد المطالب للحفاظ على حقوقه الأساسية، وضمان استمرار دور الأونروا كشاهد على حق العودة، ومواجهة أي إجراءات تزيد من هشاشة وضعهم في المخيمات.