يشهد مخيم اليرموك تحولاً ديموغرافياً لافتاً تمثّل في عودة واسعة النطاق لسكانه، الذين بادروا بجهود ذاتية وإمكانيات محدودة لترميم منازلهم وإعادة الحياة إلى أحيائهم.
ورغم هذه الديناميكية الشعبية التي نجحت في فرض واقع العودة على الأرض، إلا أن المشهد العام لا يزال محكوماً بمفارقة حادة؛ فالحيوية السكانية تقابلها فجوات خدمية عميقة وقصور في تأمين المتطلبات الأساسية للعيش، مما يجعل استدامة الاستقرار في المنطقة مهددة بفعل غياب الدعم الكافي.
على المستوى الأمني والإداري، يواجه العائدون تحديات جسيمة تعيق شعورهم بالأمان والاستقرار حيث لا يزال المخيم يرزح تحت وطأة انفلات أمني محلي يتمثل في انتشار عمليات السرقة الممنهجة التي تستهدف البنية التحتية، من كابلات كهربائية ومواد بناء، وصولاً إلى الممتلكات الشخصية.
وتتضاعف هذه الأزمة بفعل التعقيدات البيروقراطية الناتجة عن تبعية المخيم إدارياً لمحافظة دمشق عقب حل اللجنة المحلية في عام 2018، وهو القرار الذي يراه مراقبون عائقاً أساسياً أمام سرعة الاستجابة للاحتياجات الطارئة وتطوير المرافق الحيوية.
أما الواقع الإنساني والصحي، فقد وصل إلى مستويات مقلقة تستدعي تدخلاً فورياً، حيث تشير التقارير الميدانية والإفادات المحلية إلى وقوع وفيات كان من الممكن تلافيها، لولا التأخر الكارثي في وصول سيارات الإسعاف وانعدام النقاط الطبية المجهزة.
هذا الغياب للخدمات الطبية الطارئة، بالتوازي مع ضعف شبكات المياه والكهرباء، يضع العائدين في مواجهة مباشرة مع خطر الموت أو المرض، ويحول دون توفير بيئة صحية آمنة تتناسب مع حجم الكثافة السكانية المتصاعدة في المخيم.
يمثل مخيم اليرموك اليوم نموذجاً للإصرار الشعبي على البقاء، لكنه في الوقت ذاته يعكس فشلاً إدارياً وخدمياً يهدد بإفراغ جهود الإعمار الذاتي من محتواها.
إن الانتقال من مرحلة “العودة الفيزيائية” إلى مرحلة “الاستقرار المستدام” يتطلب تجاوز العقبات الإدارية الحالية، وتفعيل دور المؤسسات الخدمية بشكل حقيقي، وضبط الملف الأمني بحزم، لضمان تحويل المخيم من مجرد أطلال مأهولة إلى بيئة صالحة للحياة الكريمة التي يستحقها سكانه.