القضية الفلسطينية بين التحول الجيوسياسي والتحول الجيواستراتيجي

ثمّة خلط في الأدبيات السياسية العربية خصوصاً الإعلامية منها بين ثلاثة مفاهيم متداخلة في أبعادها ولكنها متباينة في متغيرها الرئيسي، وتتمثل هذه المفاهيم في:[2]

1. مفهوم الجيوبولتيك Geopolitics والذي يقوم على أساس النظر للدولة ككائن عضوي يتمدد وينمو ويتقلص جغرافياً، وهو ما ينعكس على نمط تفاعله مع الوحدات السياسية الأخرى خلال هذا التغير في جغرافيته، إضافة إلى تأثير ذلك على مستقبل الكيان السياسي، فعلى سبيل المثال التوضيحي، كانت مساحة روسيا القيصرية سنة 1547 حوالي 3 مليون كم2، تزايدت خلال قرابة نصف قرن (سنة 1590) لتصبح 14.5 مليون كم2، ومع بروز الاتحاد السوفييتي اتسعت المساحة إلى 22.4 مليون كم2، لكنها مع تفكك ذلك الاتحاد عادت إلى مساحة حالية تصل إلى 17.1 مليون كم2، وهي روسيا الاتحادية، فإذا أضفنا لهذه المساحة ما سيطرت عليه من أوكرانيا تصبح المساحة حوالي 17.3 مليون كم2، فكل توسع أو انحسار جغرافي هو نتيجة لسياسات الدولة الداخلية والخارجية بما يتناسب مع معطيات جغرافيتها )تأثير السياسة على الجغرافيا).

القضية الفلسطينية بين التحول الجيوسياسي والتحول الجيواستراتيجي … أ. د. وليد عبد الحي  (20 صفحة، 2.2 MB)

2. مفهوم الجغرافيا السياسية Political Geography المرتبط بالتأثير المتبادل بين السمات الجغرافية الطبيعية أو الديموجرافية أو الاقتصادية لوحدة جغرافية وعلاقة ذلك بسلوكها السياسي، فمثلاً تُعدّ أفغانستان دولة حبيسة Land locked، فمن الطبيعي أن لا تفكر في بناء أسطول لا تجارياً ولا عسكرياً، ودولة نيبال–حبيسة أيضاً، وهي محاطة بدولتين هما الأكبر سكانياً بين دول العالم، وهو ما يدفعها للموازنة الحرجة بين العملاقين أو الخضوع للضرورة، بالمقابل فإن مصر دولة بحرية وبعدد سكان كبير لكن أغلب جغرافيتها (96%) صحراء، وهو ما يفرض عليها سلوكاً سياسياً معيناً، ثم هل سلوك تركيا تجاه العراق وسورية هو ذاته لو لم يكن هناك دجلة والفرات (الجغرافيا الطبيعية)، أو هو نفسه لو لم يكن في المنطقة أكراد (الجغرافيا السكانية)… إلخ (تأثير الجغرافيا على السياسة).

3. الجيواستراتيجي Geostrategy وهو المرتبط بشكل أساسي بأهمية موقع أو إقليم في تحديد القيمة الاستراتيجية للمكان من منظور التنافس الدولي أو الإقليمي، فمثلاً: من منظور الجيواستراتيجي، هل يمكن تنفيذ مشروع الحزام والطريق Belt and Road Initiative (BRI) الصينية بدون الوطن العربي؟ أو هل يمكن تنفيذ الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي India-Middle East-Europe Economic Corridor (IMEC) دون المنطقة العربية؟ أو هل يمكن فصل القيمة الاستراتيجية “للإقليم الفرعي” في الخليج بعيداً عن البترول كمصدر طاقوي، ومن هنا يصبح الموقع الجغرافي محدداً مركزياً “للقيمة الاستراتيجية” للإقليم في تفاعله مع المجتمع الدولي.

ولو أردنا تلخيص ذلك لقلنا إن:

1. الجغرافيا السياسية هي مجال أكاديمي يدرس دور المكان في تحديد طبيعة السلوك والبنية السياسية (مثل تأثير مجرى نهر على تخطيط حدود الدولة مع الجوار).

2. الجيوبوليتكس فهي التي تتضمن تفسير كيف تؤثر التوجهات السياسية والأيديولوجيات ونمط النظم السياسية على الجغرافيا، مثل السعي للسيطرة على منطقة الخليج للتحكم في تجارة النفط العالمية.

3. الجيوستراتيجي هي اعتبار الجغرافيا متغيراً استراتيجياً في صياغة الأهداف العليا للدولة، مثل اختيار الدول الكبرى لوضع قواعدها العسكرية في مناطق معينة دون غيرها.

خلاصة الأمر أن الجغرافيا تؤثر على السلوك السياسي (مثل الدول الحبيسة)، كما أن السياسة تؤثر على الجغرافيا (مثل التوسع الإمبراطوري) وكلاهما له دور في تحديد القيمة الاستراتيجية للإقليم أو الدولة، وهذه الأبعاد الثلاثة هي التي سنتناولها في موضوع تفاعلات القضية الفلسطينية.

أولاً: الوطن العربي والتحولات في الأبعاد الثلاثة:

تمثل الجغرافيا العربية الإطار الطبيعي لتفاعلات القضية الفلسطينية، فلم يكن تصريح بلفور بعيداً عن إدراكه للقيمة الاستراتيجية لموقع فلسطين الجغرافي في إطار الطموحات البريطانية التي عبّرت عنها الوثائق البريطانية الرسمية،[3] ومع التغير المتواصل في البنى السياسية الدولية والإقليمية والقطرية تجد أغلب هذه المستويات ضرورة للتكيف مع هذه التغيرات في توجهاتها الاستراتيجية، لكن الموضوع الذي لا بدّ من إدراك دلالاته هو أن هذا التكيف أصبح يقوم على أساس زيادة وزن المتغيرات الخارجية على حساب المتغيرات الداخلية في تحليل سياسات التكيف مع المتغيرات كلها، وهو ما يعني أنه إذا كانت الجغرافيا قد تأثرت بالتطور التقني سلباً في بعض الجوانب، إلا أنها اكتسبت أهمية في جوانب أخرى خصوصاً في ظلّ ضغوطات العولمة، ومنذ دراسة جيمس روزينيو James Rosenau[4] بدأت هذه الأدبيات تميل إلى اعتبار “هوية الكيان السياسي محددة بقدر أكبر بشبكة العلاقات الخارجية أكثر منها بخصوصيات الكيان الداخلية”، وهو ما يعني أن سياسات التكيف للدولة تعيد صياغة أهدافها الاستراتيجية في ضوء مقتضيات هذه المعادلة، مما يفرز أربعة أشكال من التكيف مع التحولات الجيوسياسية أو الجيواستراتيجية اللتان تُشكّلا فضاء التفاعل مع البيئة الدولية:

1. التكيّف الإذعاني Acquiescent، حيث يتم تغليب مطالب الخارج (البيئة الإقليمية أو الدولية) على مطالب الداخل، ومثال ذلك القبول بالتطبيع العربي مع “إسرائيل” على الرغم من أن النسبة العظمى من الشعوب العربية ضدّ هذا التوجه.

2. التكيّف المقاوم intransigent، وهنا تعلو مطالب الداخل على مطالب الخارج مثل تنامي دور الإسلام السياسي منذ 1979 في الإقليم العربي بشكل خاص ومحاولة تخفيف الأثر الخارجي على الداخل.

3. التكيّف التعزيزي Promotive، ويتمثل ذلك في محاولة الموازنة وبقدر من الحرية في اختيار نمط استجابته (انضمام بعض الدول العربية لمنظمة بريكس BRICS أو شنغهاي Shanghai).

4. التكيّف الوقائي Preservative، ويعني توظيف كل من المتغيرات الداخلية والخارجية لابقاء الحالة القائمة، مثل القبول بالحدود الجغرافية القائمة منذ فترة طويلة وطبقاً لمعاهدات بين الأطراف المعنية.

ثانياً: منهجية دراسة التغير والتكيف في الأبعاد الجغرافية الثلاثة في السلوك السياسي العربي وأثره الاستراتيجي؟

إن تغير الملامح الجغرافية بأبعادها السياسية والاستراتيجية تقتضي التكيف معها بأحد أنماط التكيف المشار لها أعلاه، فبناء سدّ النهضة الإثيوبي يقتضي تكيفاً مصرياً وسودانياً، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان يقتضي تكيفاً سورياً، ووجود الأقليات الكردية على حواف الدولة السورية والعراقية يقتضي تكيفاً من نمط يناسب التفاعل معه… إلخ، ذلك يستدعي مراعاة ما يلي:

1. منهجياً: يجب التمييز بين الحدث، والاتجاه الفرعي، والاتجاه، والاتجاه الأعظم. وتتضح هذه، على سبيل المثال، في اللقاءات العربية السرية الفردية مع شخصيات إسرائيلية قبل وبعد نشوء “إسرائيل”، ثم تعددت الأطراف المتصلة سراً معها ليتشكل اتجاه فرعي، ومع توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية سنة 1979 تزايدت قطاعات التعاون بين دول عربية و”إسرائيل” فتحول الاتجاه الفرعي إلى اتجاه ليكون ذلك مقدمة لتشكل الاتجاه الأعظم من خلال الانتقال من مستوى العلاقات الصفرية بين العرب و”إسرائيل” إلى مستوى العلاقات غير الصفرية.[5] وقد ترتب على ذلك انصراف قدر كبير من التوجه السياسي العربي جغرافياً من التركيز على فلسطين إلى التركيز على إيران، وتراجع المكانة الاستراتيجية لمصر، وهنا جرى تحول جيواستراتيجي خطير ألقى بظلاله على شبكة التفاعلات العربية والدولية في الإقليم وخصوصاً في جانب القضية الفلسطينية، وهو هدف استراتيجي سعت له “إسرائيل” بقوة.

2. تراجع قوى الترابط الآلي العربي (التي تأسست عليها نظرية القومية العربية والوحدة العربية) لصالح تنامي قوى الترابط العضوي بالتزايد في العلاقة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية مع “إسرائيل” ومع دول غير عربية، وهو ما يعني أن القرب الجغرافي، الذي تعتبره نظريات التكامل الدولي السياسية متغيراً مركزياً، لم يلعب الدور الكافي في تكريس سياسات التكامل الاقتصادي العربي،[6] فمثلاً تتفوق نسبة العمالة غير العربية في دول مجلس التعاون الخليجي على نسبتها من العمالة العربية،[7] وكلما اتسعت العلاقات التجارية والاقتصادية والتكنولوجيا والتداخل في مؤسسات الشأن اليومي العربي والإسرائيلي والغربي تقلصت أوزان الروابط الآلية العربية كالدين والقومية واللغة المشتركة والتاريخ… إلخ، فمثلاً تبلغ قيمة التجارة الداخلية بين دول الاتحاد الأوروبي في سنة 2025 حوالي 61% تقريباً من تجارتهم الكلية بينما تبلغ معدلات التجارة البينية العربية حوالي 12-13%.[8] ذلك يعني أن البعد الجيواقتصادي أضعف المتغير الجيوسياسي، فشكّل تحولاً آخر سيقود بدوره لتحول جيواستراتيجي يزيد من إضعاف البعد الفلسطيني في السياسات العربية.

3. غياب القوة المركزية، الدولة الإقليمية أو القطب الإقليمي العربي، وهي مصر، وبروز ثلاث قوى متنافسة وهي “إسرائيل”، وتركيا، وإيران، على حساب المكانة المصرية. ولعل نظرية “عبقرية المكان Genius of Place” للمفكر المصري جمال حمدان[9] تكشف عن العلاقة بين الجغرافيا والمكانة السياسية دولياً، فمصر، طبقاً لحمدان، فقدت ربع قيمتها بقيام “إسرائيل”، ونصف قيمتها بعد هزيمة 1967، وكل قيمتها بعد كامب ديفيد Camp David Accords. فهي تحتل الآن المرتبة 113 عالمياً،[10] فإذا علمنا أن هناك 52 دولة عضو في الأمم المتحدة لا يتجاوز عدد سكان الواحدة المليون نسمة (أي دول هامشية سكانياً)، فذلك يعني أن مصر تحتل مرتبة متخلفة جداً في المكانة الدولية بين الدول الـ 141 دولة غير هامشية، وهو ما يعني تراجع الإدراك العميق لدور “عبقرية المكان” في القيمة الاستراتيجية للدولة، وهو ما ينعكس سلباً على الاستراتيجية العربية إقليمياً ودولياً، ومن ضمنها القضية الفلسطينية، ومن غير الممكن فهم السياسة المصرية الحالية بمعزل عن فقدان مصر لاستراتيجية استثمار “عبقرية المكان”.

4. التحولات الجيواستراتيجية الدولية وانعكاساتها على الاستراتيجيات العربية: يمكن اعتبار سنة 1979 نقطة تحول كبيرة في الشرق الأوسط، حيث حدثت تحولات سياسية عميقة ألقت بظلالها على المشهد العربي محلياً وإقليمياً ودولياً، وانعكس مباشرة على الموضوع الفلسطيني من خلال الأبعاد الأربعة السابقة، وهو ما يتضح في الآتي:

أ‌. الثورة الإيرانية التي انتصرت في شباط/ فبراير 1979، وترتّب عليها تداعيات سلبية مرتبطة بالصراعات الطائفيّة، ونظرة دول المنطقة للإسلام السياسي ودوره؛ وتداعيات إيجابية (تغيّر في بنية التحالفات الإقليمية والدولية مع دول المنطقة باتجاه تكثيف التركيز على القضية الفلسطينية في الأدبيات السياسية الإيرانية)، ويكفي الإشارة إلى أنّ تزايد الإسلام السياسي الجهادي غير منبت الصلة عن تداعيات الثورة الإيرانية، وتكفي ملاحظة أن سنة 1979 شكّلت نقطة تنامي جاذبية النزعة الجهادية بتأويلاتها المختلفة، فظهرت حركة الجهاد الإسلامي (1980)، وحزب الله (1982)، وحماس (1987)، ومع بروز تنظيم القاعدة (1988)، بدأ يُلاحظ بروز لحركة إسلامية تسعى لأخذ الصراع لجغرافيا بعيدة عن فلسطين بالتزامن مع الأجواء التي أفرزتها الحرب الأفغانية السوفييتية، وهكذا تكاتفت الحرب العراقية الإيرانية مع ظاهرة العرب الأفغان في تعزيز نزعة التحول الجيواستراتيجي، ولو نسبياً، لدائرة الصراع بعيداً عن فلسطين.[11]

ب. تولّى الشاذلي بن جديد السلطة في الجزائر في الشهر نفسه شباط/ فبراير 1979، وهو من اتجه نحو تحولات إصلاحية في بلاده تمثلت في أبرز مظاهرها بعد عشر سنوات من خلال الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية ونشوب الحرب الأهلية في الجزائر التي كانت من أهم الدول الداعمة للموضوع الفلسطيني، لكن الصراع مع الجبهة الإسلامية زرع “بعض” الهواجس تجاه الحركات الجهادية الفلسطينية، وهو ما عزز البعد الجغرافي في تقليص الانخراط الجزائري “نسبياً” في الشأن الفلسطيني، قياساً بضعف أثر المتغير الجغرافي في فترة الرئيس بومدين.[12]

ج. شكّلت المعاهدة المصرية الإسرائيلية في آذار/ مارس 1979 تغيّراً جذرياً في استراتيجيات المواجهة الرسمية العربية تجاه “إسرائيل”، وبداية التحول للعلاقة غير الصفرية بينها وبين بقية الدول العربية، وهنا تظهر الجغرافيا السياسية بشكل واضح، فأصبحت المغرب ركيزة التطبيع في إقليم المغرب العربي، ومصر نقطة الوصل بين الجناح التطبيعي المغاربي وبين كتلة الإبراهيمية الخليجية بما فيها السودان، وصولاً إلى التضييق الكبير على محور المقاومة إلى حدّ الإنهاك، وهو ما انتهى إلى تعزيز جغرافيا التطبيع على حساب جغرافيا المقاومة.

د. تولّى صدام حسين رسمياً رئاسة الجمهورية العراقية في تموز/ يوليو 1979، فقد ترتّب على هذا التغيّر السياسي في السلطة العراقية نشوبُ أطول حرب عرفتها المنطقة في القرن العشرين، وتشير العديد من الدراسات إلى أن الرئيس العراقي أحمد حسن البكر كان أميل لعدم الصراع مع إيران، ورأى ان اتفاق 1975 معها يضع أساساً لسياسة براجماتية تجاه إيران.[13] وقد شكلت الحرب تحولاً كاملاً للجيواستراتيجية العربية، وأصبحت المنطقة العربية هي الأعلى في عدم الاستقرار بين أقاليم العالم الجغرافية.[14] ناهيك عن نقل الجهد العربي من غرب آسيا العربية إلى شرقها، وهو تحول سلبي عزز التحولات السابقة.

هـ. وقع هجوم جهيمان العتيبي في المسجد الحرام في تشرين الثاني/ نوفمبر 1979، واستمرت العملية حوالي أسبوعين، وتركت هاجساً عميقاً في مركز الخليج العربي وهي السعودية، وتكاتف هذا المتغير مع المتغيرات الأخرى في تعميق القلق من ظاهرة الإسلام السياسي ودون تمييز بين إسلام سياسي جهادي، وبين إسلام سياسي مفتعل لدوافع سياسية معينة، وامتد هذا الجانب إلى الجغرافيا غير الشرق أوسطية، مما شتت التركيز بعيداً عن فلسطين نتيجة انكفاء كل دولة عربية باتجاه الداخل للجم المقاومة الإسلامية للمشاريع الغربية في الجغرافيا العربية.[15]

و. تسبّب الغزو السوفييتي لأفغانستان في كانون الأول/ ديسمبر 1979، في اشتعال النزعة الجهادية ضدّ الاتحاد السوفييتي بتغذية أمريكية خليجية، وهو ما عمّق الانصراف الجهادي باتجاه فلسطين على الرغم من القيمة الدينية المركزية لفلسطين، وبدأ تحول التبرعات المادية، إلى جانب إرسال آلاف المقاتلين، يذهب بعيداً عن الجغرافيا الفلسطينية.[16]

ثالثاً: المنظور الاستراتيجي الإسرائيلي لهذه التحولات:

شكّلت التحولات العميقة سابقة الذكر نهجاً تكيفياً إسرائيلياً ظهر في استراتيجية لها عدة أبعاد:

1. التحول من صهينة اليهودية إلى تهويد الصهيونية: في المرحلة الأولى كان حزب الماباي (بعدها العمل أو المعراخ)، هو القوّة المهيمنة وفاز في أول كنيست Knesset ب 46 مقعداً (الآن له 4 مقاعد) وسعى لتكيف التراث اليهودي لمصلحة النزوع الصهيوني القومي. في المرحلة الثانية أصبح الليكود هو القوة المركزية بدءاً من السنة التي خطب فيها الرئيس المصري أنور السادات في الكنيست الإسرائيلي 1977 إلى الآن. ومن الواضح أن هذا التحول ليس بمنأى عن تنامي الحركة الدينية في الإقليم بل وتناميها في العالم (تنامي اليمين في أوروبا، وصول حزب بهارتيا جاناتا Bharatiya Janata Party (BJP) الهندوسي للسلطة منذ سنة 2014 في الهند، وتنامي النزعة الأرثوذوكسية في روسيا، والمحافظون الجدد في الولايات المتحدة، وإحياء التراث الكونفوشي Confucian في الصين، والحركة الخمسينية Pentecostalism في أمريكا اللاتينية، …إلخ). وهو ما يشير إلى رد فعل معاكس للعولمة العضوية على مستوى الجغرافيا العالمية لا الإقليمية فقط، ومن هنا يمكن اعتبار هذا المتغير أحد محركات النزعة الدينية في الجغرافيا العربية مع كل تداعياته الاستراتيجية وتأثير ذلك على “إسرائيل”.[17]

2. تنامي النزعة الدينية دفع اليمين الديني الصهيوني لتكريس بعض المبادئ، ويتمثل ذلك في التأكيد على أن “أرض إسرائيل” لـ”شعب إسرائيل” واعتبار الوجود البشري الفلسطيني مشكلة استراتيجية، وهو ما يستوجب ضمان تغيير كافي في البنية الديموجرافية داخل فلسطين لتأمين “الدولة اليهودية”، وهذه نقطة تشكل بؤرة التفكير الاستراتيجي الصهيوني الحالي، فالهدف الآن هو ضمان تغيير كافٍ في البنية الديموجرافية داخل الجغرافيا الفلسطينية، لتأمين “الدولة اليهودية”، وبالتالي تغيير الجغرافيا السكانية لدوافع سياسية. فعدد السكان الفلسطينيين في فلسطين التاريخية يفوق عدد اليهود بنحو 100 ألف، كما أنّ معدل الزيادة السكانية بين الفلسطينيين هي أعلى من معدلها لدى اليهود، ولعل ذلك وراء تحول التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي من التركيز على السيطرة على الجغرافية الطبيعية إلى التفريغ الديموجرافي للسيطرة على الجغرافيا السكانية من ناحية، وبناء استراتيجية الجذب اليهودي من جغرافيا العالم ككل من ناحية ثانية لتعزيز الخلل الديموجرافي لصالح اليهود في فلسطين.[18]

3. ضمان جوار قريب آمن: من خلال إيجاد عوازل جغرافية تؤدي وظائف سياسية مثل السيطرة على نهر الأردن وتحويله إلى عائق أمام أي عمل عسكري من شرق النهر، ثم تحويل جنوب لبنان منطقة عازلة أو أرض حرام No Man’s Land، أو من خلال فرض قيود قانونية على الحركة المصرية في سيناء كما نصت عليه اتفاقية معاهدة السلام مع “إسرائيل”، ويبدو أن هناك ميلاً تدريجياً لتوسيع المنطقة العازلة مع سورية طبقاً لتصورات وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي جدعون ساعر Gideon Sa‘ar.[19] ولعل إعادة طرح فكرة “إسرائيل الكبرى” تجسيد لهذا الطموح الإسرائيلي القائم على ضمان الأمن بالتوسع الجغرافي إلى جانب العوامل الأخرى السابقة الذكر.[20]

4. ضمان دور استراتيجي لـ”إسرائيل” في تشكيل البنية الجيوسياسية والجيواقتصادية والمكانة الاستراتيجية للإقليم الشرق أوسطي، وهو ما يستوجب التدخل الإسرائيلي المستمر في البنية العربية لجعل تطورها تكيفاً إذعانياً لا يشكل أي تهديد مستقبلي لـ”إسرائيل” مستندين في ذلك للخبرة التاريخية للمنطقة مع الغزو الأجنبي (حيث نجح العرب في طرد الغزاة عندما امتلكوا عنصر القوة المطلوبة، والدليل هو التحرر من السيطرة الرومانية أو الفارسية أو الصليبية أو الفرنسية أو البريطانية أو الإسبانية أو الإيطالية،…إلخ)، ناهيك عن نماذج الاستعمار الاستيطاني الفاشل في المغرب العربي وغيرها.[21] وهو ما سيدفع “إسرائيل” للاستمرار في التدخل في الشأن العربي لتكييفه بالنمط الإذعاني ومنع تكرار الخبرة التاريخية العربية مع القوى الغازية.

5. العمل على تشكيل المنظومة القيمية للمنطقة لضمان استقرار الأهداف الأربعة السابقة، مثل المناهج التعليمية، والفنون والآداب، والتركيز على الجانب التصالحي في الأدبيات الدينية،[22] وتعزيز النزعات الغنوصية والصوفية والطقوسية،…إلخ، وتكريس نزعات الثقافات الفرعية أو ما يسمونه حلف الضواحي،[23] وإشغال المنطقة بصراعات إقليمية مع قوى غير “إسرائيل”، كالانشغال بصراعات مع إيران وتركيا وإثيوبيا، إضافة إلى توجهات لإشعال النار في دول الساحل الإفريقي لإشغال دول الاتحاد المغاربي، وتأجيج الأقليات من طوارق وخوارج وأمازيغ في دول الساحل من غرب السودان حتى شواطئ الأطلسي، وهو ما يعني أن “إسرائيل” تنظر للجغرافيا العربية كوحدة واحدة من ناحية، ولكنها ترى أن أمنها في تفتيت هذه الجغرافيا بكل الوسائل المتاحة من ناحية أخرى، وكل ذلك لإنجاز شرق أوسط تقوده، وتوظفه لتحسين مركزيتها الإقليمية، وبالتالي مكانتها الدولية.[24]

رابعاً: “إسرائيل الكبرى” بين الجيوسياسي والجيواقتصادي:

تتنازع العقلَ الاستراتيجي الإسرائيلي نظريّتان: أحدهما ترى أن “إسرائيل الكبرى” هي التي تتجسد بالتوسع الجغرافي لزيادة العمق الاستراتيجي للدولة من ناحية، وإيجاد مناطق عازلة بين “إسرائيل” والجوار العربي، أي إعلاء البعد الأمني على أي اعتبار آخر، وتبرير ذلك بأنه استجابة للإرث الديني، وهذا هو التصور الذي يتبناه الليكود Likud والأحزاب الدينية اليهودية، بل إن نتنياهو Netanyahu اعتبر أنه في “بعثة روحية وتاريخيةhistoric and spiritual mission”،[25] بينما يقوم التصور الثاني لـ”إسرائيل الكبرى” على منظور جيواقتصادي Geoeconomics يتمثل في توسيع مساحة العلاقات الاقتصادية والتقنية بين “إسرائيل” وجوارها العربي لتحويل الصراع من منظوره الصفري إلى منظوره غير الصفري zero-sum to a non-zero-sum framework، وهو المنظور الذي تبنّاه إسحق رابين Yitzhak Rabin وشيمون بيريز Shimon Peres (حزب العمل)، أي استبدال الجيبولتيك السياسي الأمني بجيوبولتيك اقتصادي تقني تكون لـ”إسرائيل” فيه اليد الطولى.[26]

وتبدو المعطيات القائمة أنها تسير نحو محاولة الجمع بين المنظورين، بتكييف المنظور الجيوبولتيكي الأمني بقدر لا يؤجج الصراع مجدداً بل يلجمه (مثل إنشاء مناطق عازلة) وتعزيز الجيوبولتيك الاقتصادي لتعزيز الخيار الأمني ولكن بطريقة ناعمة.[27]

خامساً: الانتشار الدولي في الجغرافيا العربية:

لعل أيّ مطالعة لجغرافيا العالم العربي تكشف عن وجود عسكري أجنبي بكيفية أو أخرى في أغلب الدول العربية، ناهيك عن مشروعات اقتصادية استراتيجية تعبر المنطقة العربية، وهذا الانتشار العسكري الأجنبي يتخذ أشكال القواعد العسكرية أو التسهيلات أو التعاون الاستخباري أو البعثات العسكرية أو مبيعات الأسلحة والتي يرافقها مدربون أجانب أحياناً.[28] يُضاف لذلك المشروعات الاقتصادية مثل مشروع الحزام والطريق الصيني وهو مشروع استراتيجي لربط آسيا وأوروبا بالجغرافيا العربية، إضافة لمشروع الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي والذي تشكل الجغرافيا العربية طريقه الرئيسي، وهو ما قد ينطوي على احتمال تنافس هندي صيني في المنطقة العربية، قد يتعسكر لاحقاً على غرار التنافس الأوروبي في بدايات القرن الماضي. ولعل الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى صومال لاند، أو وجود قواعد عسكرية صينية في جيبوتي، وتأجيج النزاع الداخلي في اليمن أو السودان مؤشرات على محاولات الجذب الاستراتيجي للنزاع من مكانه الطبيعي (فلسطين) إلى جغرافيا جديدة.

سادساً: الصراع الإقليمي على الدولة المركز:

في ظلّ التراجع الكبير للمكانة المصرية كما أشرنا سابقاً، وفقدان دولة عربية مركزية ذات مشروع جيواستراتيجي، تتزاحم على المنطقة قوى إقليمية غير عربية هي:

1. “إسرائيل”: ومع الإقرار بمتغيرات القوة المعروفة لديها، لكنها تدرك أن لديها نقاط ضعف مثل:[29]

‌أ. أنها بلغت أعلى معدل عدم استقرار سياسي منذ نشوئها.

‌ب. هواجس من احتمال تغير مكانتها في المنظور الأمريكي مستقبلاً على غرار قبول الولايات المتحدة لمبدأ صين واحدة مع تايوان وطردها من الأمم المتحدة، بل إن موقف الرئيس الأمريكي ترامب من أوروبا وكندا يعزز الهواجس الإسرائيلية من هذا الاحتمال، في ظلّ عمق المنظور البراجماتي في العقل الأمريكي.

‌ج. تنامي التيار الديني في ظلّ اتساع قاعدة العلمنة عالمياً، بكل ما ينطوي عليه ذلك من احتمالات مزيد من عدم الاستقرار الذي قد يمتد لـ”إسرائيل”.

‌د. القلق الديموجرافي من نسبة العرب في مناطق 1948، ونسبتهم في حالة الضم التام للضفة الغربية وغرة.

هـ. التراجع الواضح في المكانة الدولية لـ”إسرائيل” لدى الرأي العام الدولي بعد طوفان الأقصى.

‌و. ثمّة تطورات مهمّة قد تؤسّس لبنيات جديدة مثل تداعيات نقل الولايات المتحدة لـ”إسرائيل” من تبعيتها للقيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا إلى تبعيتها للقيادة المركزية العاملة في المنطقة العربية. وهو ما يعني تقارباً عسكرياً أكبر بين “إسرائيل” ودول عربية، ولكن بصورة تدريجية. وهو بُعدٌ قد ينطوي على مكاسب وتبعات في الوقت نفسه.

2. إيران: عرفت إيران موجات من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية منذ انتصار الثورة سنة 1979، وبلغت هذه الموجات 11 موجة مما جعل معدل الاستقرار فيها يقع في دائرة السالب بنحو (-1.69) خلال الفترة 1996-2023،[30] إلى جانب تراجع قوة محور المقاومة، ناهيك عن تأثير الحصار الاقتصادي عليها، والنزعات الانفصالية لدى بعض الأقليات الإيرانية.

3. تركيا: تعاني تركيا من عدم استقرار نسبي، فمؤشر عدم الاستقرار فيها يصل إلى (-1.01) مما يجعلها في المرتبة 165 دولياً،[31] فإلى جانب مشكلاتها مع الأكراد (التي خفت نسبياً) ثمة جوار مضطرب، فعلاقاتها ليست مستقرة نظراً للخلافات مع اليونان، والنزاع في العراق وسورية، والنزاع الأذري الأرمني، ومخاوف من توجهات لتشققات دينية في ظلّ تذبذب شعبية الحزب المحافظ الحاكم (حزب العدالة والتنمية).

4. دول الساحل الإفريقي: تشكّل مجموعة ما يسمّى تحالف دول الساحل الجوار الجغرافي لدول المغرب العربي، وتضم دول الساحل بشكل رئيسي كلاًّ من مالي وتشاد والنيجر وبوركينافاسو. وتُعدّ هذه المجموعة من ضمن أعلى دول العالم في عدم الاستقرار السياسي، وتقع كلها في خانة السالب العالية، وتحتل المراكز الدولية في عدم الاستقرار على النحو التالي (من بين 193 الأعضاء في الأمم المتحدة):[32] مالي 192، بوركينافاسو 182، النيجر 176، وتشاد 175، وينعكس كلّ ذلك على دول المغرب العربي بأشكال مختلفة، ناهيك عن محاولات “إسرائيل” لبناء جسور للتمدد في هذه المنطقة. وتميل العلاقات بين دول المغرب العربي ودول الساحل الإفريقي إلى موجات من التوتر، بسبب الهجرة والتهريب للسلاح، وتمدد عمل الجماعات المسلحة، والتدخل الخارجي خصوصاً القوى الكبرى. بل إن النشاط الإسرائيلي في هذه الدول يزيد الأمور تعقيداً، ويعزز المنظور الأمني الإسرائيلي القائم على فكرة التحول الجيواستراتيجي، من خلال توجيه الصراعات الشرق أوسطية بعيداً عن “إسرائيل”،[33] بالرغم من أن طوفان الأقصى ترك بعض التأثير على علاقات “إسرائيل” مع هذه المجموعة الإفريقية.[34]

سابعاً: تشكل الاتجاه الأعظم:

يمكن تحديد السمات العامة الناتجة عن التحولات التي عرضناها في أن الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك وضعا أسس الاتجاه الأعظم للمنظور الجيواستراتيجي في الصراع العربي الإسرائيلي على النحو التالي:

1. تزايد الإقرار بشرعية “إسرائيل”: لقد تنامي الاعتراف بـ”إسرائيل” من صفر عربياً إلى 10 دول عربية تعترف بها بشكل واقعي أو قانوني أو قبلت بالمبادرة العربية وقرار 242 بتفسيره الإسرائيلي (أراضٍ محتلة وليس الأراضي المحتلة)، وعلى المستوى الإسلامي هناك 32 دولة إسلامية تعترف بـ”إسرائيل” من أصل 57 دولة (56% من الدول الإسلامية)، ثم إن مجموع الدول التي تعترف بـ”إسرائيل” هو 165 أي بنسبة نحو 85% من المجتمع الدولي، إضافة إلى 9 دول جمّدت اعترافها أو سحبته بعد طوفان الأقصى، مقابل 157 دولة تعترف بفلسطين أي بنسبة 81% من دول الأمم المتحدة.[35]

2. على الرغم من ثقل الخسائر البشرية والمادية في غزة والضفة الغربية بعد طوفان الأقصى فإن حجم التبادل التجاري بين “إسرائيل” والدول العربية ارتفع من 3.6 مليار دولار إلى 4 مليار حتى شهر آب/ أغسطس من سنة 2024، وتقود الإمارات سفينة التجارة الكبرى بمعدل 70% من إجمالي التجارة العربية مع “إسرائيل”.[36]

3. اتساع التغلغل الإسرائيلي الاستخباري في الجسد العربي عبر المتغير البشري والتقني، ويشمل هذا التغلغل الجغرافيا العربية كلها.[37]

4. تنامي النزعة العدائية الرسمية العربية للحركات الدينية الكبرى في الوطن العربي.[38]

الخلاصة:

تتمثل القيمة الجيواسترايتجية للشرق الأوسط مستقبلاً في بعض الاتجاهات الأعظم التي ستشكلها تحولات الجغرافيا السياسية والجيوبولتيكية:

1. إن القيمة الاستراتيجية للمنطقة العربية ستميل تدريجياً للتراجع من المنظور الأمريكي، ولكنها ستستمر في التزايد من المنظور الصيني والهندي، وستبقى تراوح أهميتها بالنسبة لروسيا وأوروبا، وهو ما ستعمل “إسرائيل” على التكيّف معه تدريجياً.

2. إن طرح حلّ الدولتين قد يقود إلى حرب أهلية في “إسرائيل”، الأمر الذي يعزز النزوع للتوسع الإسرائيلي على حساب الجغرافيا العربية، بالسيطرة المباشرة على بعض المناطق، أو بتحويلها إلى مناطق عازلة، تقوم بدور الجدار العازل بين “إسرائيل” والجغرافيا العربية.

3. إن تحسن المركز العربي في الوزن الدولي سيبقى ضعيفاً، وهو أميل للتراجع خلال الفترة الزمنية المباشرة (1-3 سنوات).

4. نُرجّح استمرار التنافس الدولي على المنطقة العربية، وخصوصاً آسيا العربية بين القوى الآسيوية، أو بين القوى الآسيوية والقوى الغربية، أو بين بعض القوى الآسيوية و”إسرائيل”.

5. إنّ المكانة الدولية لـ”إسرائيل” تضررت بشكل كبير بعد طوفان الأقصى، وسيكون من الصعب استعادة هذه المكانة في الزمن القصير والمتوسط.

6. إنّ التوجه الجيواستراتيجي العربي للحفاظ على التطبيع هو الأقوى خلال المدى القصير والمتوسط، كما أن التوجه لضبط القوى الدينية ولجمها يتزايد.

7. سيبقى التفكير الصهيوني في مجال التهجير السكاني من الضفة وغزة وربما من الجليل قوياً ونشطاً، وقد يتراوح التهجير بين التهجير الخشن والتهجير الناعم.

[1] خبير في الدراسات المستقبلية والاستشرافية، أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك في الأردن سابقاً، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وهو عضو سابق في مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن، وجامعة إربد الأهلية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان وديوان المظالم، والمجلس الأعلى للإعلام. ألَّف 37 كتاباً، يتركز معظمها في الدراسات المستقبلية من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ونُشر له نحو 120 بحثاً في المجلات العلمية المحكّمة.

موضوعات ذات صلة