مع ساعات الظهيرة، يقف الحاج أبو أحمد أمام حظيرته الصغيرة في أحد أطراف مخيم الرشيدية، يحمل بيده كيس علف، وبالأخرى عصا خشبية يتكئ عليها. يتحرك ببطء، لكن بعناية، يتفقد أغنامه واحدة تلو الأخرى، وكأنه يطمئن على أفراد من عائلته.
“هذه رزقتنا”، يقول بابتسامة متعبة.
لم يكن أبو أحمد يتخيل يومًا أن تصبح تربية عدد محدود من الأغنام داخل مساحة ضيقة في مخيم مكتظ مصدر رزقه الأساسي. لكنه، مثل كثيرين من أبناء المخيم، وجد نفسه مضطرًا للبحث عن وسيلة تحفظ كرامته وتؤمّن لقمة عيشه، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.
خيار فرضته الحاجة
بعد سنوات من العمل المتقطّع، جرّب خلالها مهنًا مختلفة، لم يجد أبو أحمد ما يضمن له الاستقرار. فاختار أن يستثمر ما تبقّى لديه في شراء بعض الأغنام.
“جرّبت كل شيء… ولا شيء نفع”، يقول.
“هنا على الأقل، أعمل بيدي.”
تحوّلت الحظيرة الصغيرة إلى مساحة أمل، رغم بساطتها وضيقها.
رعي ذكي يخفّف الخسارة
لا يكتفي أبو أحمد بإطعام أغنامه داخل الحظيرة، بل يرعاها أحيانًا في أراضٍ قريبة من المخيم. يقصده بعض أصحاب البساتين بعد قطف محاصيلهم، ليستفيدوا من القطيع في تنظيف الأرض من بقايا النباتات.
بهذا التعاون البسيط، يحصل أبو أحمد على مساحة للرعي ويوفّر جزءًا من تكلفة الأعلاف، فيما يستفيد المزارعون من تنظيف أراضيهم.
“نستفيد نحن وهم”، يقول.
“هم ينظفون أرضهم، وأنا أوفّر على العلف.”
في ظل الغلاء، أصبحت هذه المبادرات البسيطة ضرورة لا رفاهية.

يوم لا يعرف الراحة
يبدأ يوم الحاج أبو أحمد بتنظيف الحظيرة، وإطعام المواشي، ثم الخروج بها عند توفر فرصة للرعي. لا يعرف العمل هنا إجازات أو عطلات، فصحة القطيع مرتبطة بحضوره اليومي.
“إذا قصّرت يومًا، تخسر فورًا”، يشرح.
الحرّ لا يوقفه، ولا البرد، ولا التعب. كل يوم هو اختبار جديد للصبر.
شتاء بلا إنتاج
مع حلول فصل الشتاء، يدخل القطيع مرحلة الولادة والرضاعة، ويقلّ الإنتاج بشكل ملحوظ، ما ينعكس مباشرة على دخل أبو أحمد.
“في الشتاء لا نربح شيئًا تقريبًا”، يقول.
في تلك الفترة، يضطر إلى البحث عن أعمال مؤقتة خارج الحظيرة، في البناء أو الزراعة أو أي فرصة متاحة، ليؤمّن الحد الأدنى من المصاريف.
غلاء يلتهم الربح
رغم كل محاولاته للتوفير عبر الرعي الخارجي، تبقى أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية عبئًا ثقيلًا.
“نصرف أكثر مما نربح أحيانًا”، يقول.
“لكن نكمل… ماذا نفعل؟”
كثيرًا ما يجد نفسه أمام معادلة صعبة بين الاستمرار أو التوقف، لكنه يختار الاستمرار.
يعمل وحده… بلا شريك في التعب
رغم تقدّمه في السن، يعمل الحاج أبو أحمد وحده في رعاية قطيعه. لا يشاركه أحد من أفراد أسرته في الرعي أو التنقل أو العناية اليومية بالمواشي.
“كل شيء عليّ وحدي”، يقول.
“من الإطعام، للتنظيف، للرعي، للبيع.”
يخرج صباحًا ويعود مساءً، متحمّلًا وحده مشقّة الطريق والعمل، مستندًا فقط إلى إصراره على البقاء.
غياب الدعم
لا يتلقى أبو أحمد أي دعم رسمي أو مؤسساتي. لا برامج لمساندة المربين، ولا مساعدات للأعلاف، ولا ضمان في حال الخسارة.
“إذا خسرت، تتحمل وحدك”، يقول بهدوء.
ورغم ذلك، لا يتحدث بلغة الشكوى، بل بلغة التكيّف مع الواقع.

أحلام بسيطة
حين يُسأل عن أحلامه، يصمت قليلًا قبل أن يجيب.
“لا أريد الكثير”، يقول.
“أريد فقط أن أعيش بكرامة، وأن أؤمّن لقمة نظيفة لأولادي، وأن أبقى قادرًا على العمل.”
يحلم بأن يوسّع حظيرته قليلًا، وأن يملك عددًا أكبر من الأغنام، وأن يستطيع شراء الأعلاف دون أن يقلق من الديون. يتمنى أن يمرّ الشتاء القادم دون أن يضطر للبحث عن عمل بعيدًا عن قطيعه.
“أكبر حلم عندي أن أنام وأنا مرتاح، من دون أن أفكّر كيف سأؤمّن الغد.”
هي أحلام بسيطة، لكنها بالنسبة له تعني الكثير.
في مخيم الرشيدية، يواصل الحاج أبو أحمد رعي قطيعه يومًا بعد يوم، وحيدًا في مواجهة الغلاء والظروف الصعبة. لا يطلب أكثر من فرصة للاستمرار، ومن مساحة تحفظ كرامته.
قصته ليست استثنائية في المخيم، لكنها تختصر معنى الصمود… رجل يرعى ليبقى، ويعمل ليحفظ حقه في حياة كريمة، مهما ضاقت المساحة