في مخيم برج الشمالي، لم يعد ضيق المساحة يقتصر على البيوت والأزقة، بل امتدّ إلى المقبرة الوحيدة داخل المخيم، التي بلغت مرحلة الامتلاء الفعلي بعد عقود من الاستخدام. ومع ازدياد عدد السكان وغياب أي توسعة سابقة، بات تأمين قبور جديدة أكثر صعوبة، فيما يجري الاعتماد على تنظيم داخلي محدود لا يوفّر حلاً دائماً للأزمة.
يقول أحد سكان المخيم:
“أصعب لحظة ليست الفقد فقط… بل أن تبحث عن قبر.”
واقع قائم وضغط متزايد
تخدم المقبرة آلاف السكان ضمن مساحة محدودة لم تعد تواكب النمو السكاني ومرور السنوات. ومع كل حالة وفاة، يبرز القلق من محدودية الأماكن المتاحة، في ظل تقارب الشواهد وضيق الممرات الداخلية.
ورغم وجود مقبرة المعشوق خارج المخيم، إلا أن كثيراً من الأهالي لا يلجؤون إليها إلا في حالات نادرة. فدفن الموتى داخل المخيم ارتبط على مدى سنوات باعتبارات اجتماعية ونفسية، تعكس رغبة العائلات في إبقاء الراحلين ضمن المكان الذي عاشوا فيه. كما أن الانتقال إلى مقبرة خارجية يفرض أعباء مادية وإجرائية إضافية، ما يجعله خياراً صعباً في ظل الظروف الاقتصادية التي يعيشها السكان.

أرض جديدة… ومرحلة أولى أُنجزت
في محاولة لمعالجة الأزمة، جرى شراء قطعة أرض جديدة لتوسعة المقبرة، في خطوة اعتُبرت بداية الحل. كما أُنجزت المرحلة الأولى من المشروع، والتي شملت مسح الأرض وجرفها بمبادرة من بلدية برج الشمالي، تمهيداً لتحويلها إلى امتداد فعلي للمقبرة القائمة.
غير أن الأرض الجديدة لا تزال غير جاهزة للاستخدام، إذ يتطلب استكمال المشروع تمويلاً إضافياً لإنجاز المرحلة الثانية، التي تشمل استكمال شراء الجزء المتبقي من الأرض، وتنظيم الموقع عبر حفر القبور، تجهيز الممرات، تركيب الإنارة، إنشاء غرفة للحارس، إقامة مظلّة للعزاء، وبناء سور وبوابة رئيسية.
وتُقدَّر الكلفة الإجمالية لاستكمال المشروع بنحو 200 ألف دولار أميركي، وهو مبلغ لم يُؤمَّن بالكامل حتى الآن، ما يبقي المشروع في حالة انتظار.
بين الحاجة والتمويل
يرى سكان في المخيم أن المسألة تتجاوز كونها مشروعاً إنشائياً، لتلامس جانباً إنسانياً مرتبطاً بكرامة الإنسان بعد وفاته. ويقول أحد الأهالي:
“نريد قبراً منظماً ومحترماً، لا أكثر. الميت له حق، مثل الحي.”
في المقبرة الحالية، تتقارب القبور بصورة تعكس محدودية المساحة، فيما تبدو الأرض الجديدة القريبة منها بمثابة أمل مؤجّل، ينتظر استكمال التجهيز قبل أن تتحول إلى مساحة فعلية تستقبل الموتى.
وبين أرض جرى شراؤها وأعمال لم تُستكمل بعد، يبقى المشروع مرتبطاً بتأمين التمويل اللازم لإنجازه، في وقت تستمر فيه الحاجة الفعلية إلى بديل منظم يخفف الضغط عن المقبرة القائمة.

ملف إنساني مفتوح
في بيئة تعاني أساساً من الاكتظاظ وضيق المساحة، تبرز مسألة الدفن الكريم كأحد التحديات اليومية غير المرئية في المخيم. فمع كل حالة وفاة، يعود النقاش حول القدرة الاستيعابية للمقبرة، وحول ضرورة استكمال المشروع القائم.
وبين واقع يزداد ضغطاً وأرض تنتظر أن تُستكمل، يبقى ملف توسعة مقبرة مخيم برج الشمالي مفتوحاً، إلى حين تأمين الموارد اللازمة لتحويل المساحة الجديدة إلى امتداد منظم يضمن الحد الأدنى من الكرامة في لحظات الفقد